درون سطات ترصد الدواب والاختلالات والعامل حبوها يرفع شعار “الصرامة أولًا”

هبة زووم – أحمد الفيلالي
منذ أن وطأت قدماه تراب إقليم سطات، بدا أن العامل الجديد، السيد محمد علي حبوها، اختار مدخلًا مغايرًا لتدبير الشأن المحلي: مدخل لا يؤمن بـ”التقارير الورقية” ولا بـ”التحلي بالصبر الإداري”، بل بالمعاينة الميدانية الفورية، مدعومًا بسلاح غير تقليدي اسمه الدرون.
فالرجل، الذي لم يمنح لنفسه ترف الوقت، بدأ مهامه كما يبدأ رجال الإطفاء إنقاذهم: حزام مشدود، رؤية واضحة، ولا مجال للتأجيل. من الأزقة الخلفية إلى الشوارع الكبرى، حلق الدرون بدلًا من لجان التفتيش التقليدية، ليكشف واقعًا صادمًا: أزيد من 100 دابة مربوطة أمام منازل وشوارع حي سيدي عبد الكريم، مشهد يضرب في عمق صورة مدينة يُفترض أنها تمثل إحدى قلاع الوسط المغربي.
قد تكون الكاميرات الطائرة مجرد أداة تقنية، لكن في سطات، تحولت إلى مرآة عاكسة لاختلالات عمرانية، اجتماعية، وإدارية تركت المدينة على شفا فوضى مستدامة.
صور الدواب المنتشرة وسط الأحياء الحضرية ليست إلا عرضًا لمرض أعمق، اسمه الارتباك الهيكلي وتآكل منظومة التدبير المحلي.
فشل السلطة المحلية في ضبط هذه التجاوزات، لا سيما في الملحقة الإدارية الخامسة، دفع بالعامل الجديد إلى التحرك العاجل، في مشهد يؤكد أن المرحلة القادمة لن تتسامح مع العشوائية أو التهاون.
وفي مشهد طريف لكنه معبّر، صادف العامل موظفة متأخرة ساعة عن موعد العمل، ولدى سؤاله عن مهمتها، أجابت بأنها تشتغل في “مصلحة الصحافة”، ليعلّق بابتسامة لاذعة: “قرأت بكري”، عبارة تختزل كثيرًا: الرغبة في الانضباط، ورفض التراخي، حتى في أبسط التفاصيل.
مدينة سطات اليوم ليست بحاجة فقط إلى مبادرات أمنية ظرفية أو درونات تحلق في الأجواء، بل إلى خطة إنقاذ متكاملة تعيد ترتيب أولويات المدينة وتضع حدًا لعقلية التسيير الفوضوي.
فالدواب في الأحياء ليست المشكلة في حد ذاتها، بل عرضٌ لمشهد أكبر من الإهمال العمراني، وانعدام رؤية حضرية، وتراكمات فشل المجالس المحلية.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الساكنة، المتعبة من الوعود والمذكرات، لا تزال تحتفظ ببصيص أمل. أمل في أن يكون هذا العامل مختلفًا، لا نسخة جديدة من نفس الفيلم الرديء.
ما تحتاجه المدينة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو مسؤول يجمع بين الصرامة والإصغاء. الإصغاء إلى صوت المواطن، وصوت المجتمع المدني، وصوت الأحياء المهمشة التي ظلت خارج أجندات التنمية لسنوات.
فـ”خريطة الطريق” لا تُرسم من نوافذ السيارات الرسمية، بل من واقع المعاناة اليومية، ومن احتكاك مباشر مع السكان.
الترحيب بالعامل الجديد ليس شكليًا، بل مرهونٌ بقدرته على إحداث زلزال إيجابي في بنية التسيير، زلزال يعصف بالبطء الإداري، والعقليات المتكلسة، والتدبير المرتكز على الولاءات.
المطلوب ليس مجرد “صورة رسمية” في مداخل الأحياء، بل قرار حقيقي يُنقذ سطات من الإحباط الجماعي الذي ينخر جسدها، لأن مدينة سطات لا تحتاج إلى من يطبطب على جراحها، بل إلى من يرمم عظامها المكسورة بإرادة وإصلاح حقيقيين.
ولعل الدرون التي بدأت ترصد ما خفي، قد تكون أول مؤشر على أن القادم لن يكون مجرد نسخة مكررة من سنوات العبث… إذا وُجد العزم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد