هبة زووم – محمد أمين
في الوقت الذي اشتدت فيه المواجهة بين حزب الاستقلال الحاكم في جماعة السعيدية وحزب التقدم والاشتراكية المعارض، يرى متابعون أن ما يجري اليوم من تراشق واتهامات متبادلة لا يعدو كونه فصلاً جديدًا من تداعيات ما وُصف بـ”الانقلاب الأبيض” على الرئيسة السابقة للجماعة، إيمان مداح، التي أطاح بها تحالف حزبي مفاجئ في ظرف سياسي محلي بالغ الحساسية.
إيمان مداح، التي وصفتها أوساط سياسية محلية بـ”الرئيسة النظيفة اليد”، كانت تقود جماعة السعيدية بكثير من الحزم والهدوء، قبل أن تتعرض لحملة ممنهجة دفعتها لتقديم استقالتها في ظروف أثارت الكثير من علامات الاستفهام.
ولئن خفت وهج تلك اللحظة حينها، فإن ما أعقبها من أزمات وصراعات داخلية أعاد إلى السطح سؤال الشرعية السياسية والأخلاقية لما جرى.
“اللعنة السياسية” التي طالت الجميع
يذهب العديد من المتابعين للشأن السياسي بإقليم بركان إلى توصيف ما يحدث بـ”اللعنة السياسية” التي أصابت مختلف الفرقاء المحليين منذ لحظة الإطاحة بمداح.
فكل من ساهم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تلك الإزاحة، وجد نفسه اليوم في قلب زوبعة اتهامات، تعطيل مشاريع، تراجع في ثقة الساكنة، وانقسام حاد داخل المؤسسة الجماعية.
وتشير أصوات من داخل المعارضة إلى أن الصراع القائم اليوم ليس إلا نتاجًا لسلوك سياسي افتقد إلى النزاهة في بدايته، مؤكدين أن “الإقصاء الذي طال الرئيسة السابقة عاد لينقلب على مهندسيه، حيث تحولت السعيدية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتبادل الاتهامات بدل خدمة المواطنين”.
حين تختل قواعد اللعبة الديمقراطية
يرى مراقبون أن جماعة السعيدية تمثل نموذجًا مصغرًا لاختلال أعمق في المشهد الديمقراطي المحلي، حيث تُختزل صناديق الاقتراع في صفقات مرحلية، وتُدار التحالفات بعقلية الغنيمة السياسية بدل المصلحة العامة. وما تسميه المعارضة “هيمنة واستفراد”، تعتبره الأغلبية “إصلاحاً وتنظيفاً للإرث السابق”.
أما الرأي العام المحلي، فصار رهينة مشهد ضبابي، تختلط فيه الأوراق بين طموحات معارضة لا تملك الأغلبية، وأغلبية مشغولة بالرّد على البلاغات عوض الانكباب على تنمية مدينة تستعد لدخول موسمها السياحي الحاسم.
بين مداح واليوم… أين المصلحة العامة؟
منذ رحيل إيمان مداح عن رئاسة المجلس، لم تشهد السعيدية توافقًا سياسياً حقيقياً. وظل كرسي الرئاسة مشتعلاً بالخلافات المتواصلة، وكأن المدينة تدفع ثمن “تسوية سياسية غير مكتملة”، كانت وراء نهاية تجربة تدبيرية اعتبرها كثيرون نموذجية في شفافيتها، حتى وإن اختلفوا معها في النهج.
وفي ظل هذا الانقسام الحاد، يتساءل فاعلون مدنيون: من يدفع فعلاً ثمن هذا الصراع؟ هل هي الأحزاب المتنازعة على السلطة، أم المواطن الذي صار يشهد جماعة مشلولة سياسياً وتنموياً؟
هل من تدخل يعيد التوازن؟
لا يبدو أن الحرب المشتعلة بين الأحزاب في السعيدية ستعرف هدنة قريبة، خاصة في ظل تمترس كل طرف خلف موقفه.
وبين بيان استنكاري وآخر تكذيبي، تترسخ صورة مجلس جماعي غارق في الصراعات، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى وحدة جهود ومسار تنموي هادئ.
ويبقى السؤال المطروح: هل يتدخل عامل الإقليم أو وزارة الداخلية لفتح تحقيق في ما جرى سابقاً ويجري اليوم، بما يعيد الثقة إلى العملية الديمقراطية ويوقف نزيف التنازع الذي بات يهدد صورة السعيدية ويعيق تقدمها؟
تعليقات الزوار