هبة زووم – الرباط
في صباح حار من يوم الأحد 22 يونيو 2025، تماوجت شوارع الرباط بأعلام فلسطين والكوفيات، واختلطت الهتافات بالغضب الشعبي العارم، في مشهد يُعيد للشارع المغربي نَفَسه القومي والأخلاقي، وسط خذلان عربي رسمي لم يعد مستترًا.
المسيرة الشعبية التي انطلقت من أمام باب الأحد نحو البرلمان، بدعوة من مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، حملت عنوانًا أكبر من مجرد تضامن ظرفي: “وحدة الأمة ضد العدوان… مع المقاومة حتى التحرير وإسقاط التطبيع”.
هذه الصيحة، وإن جاءت بمناسبة الذكرى 58 لهدم حارة المغاربة في القدس المحتلة، إلا أنها تحوّلت إلى صرخة غضب جماعية ضد حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة منذ 20 شهراً، وضد العدوان الصاروخي الإسرائيلي على إيران، الذي بات يُنذر بتوسّع كارثي في رقعة اللهيب.
بينما تصمّ عواصم عربية آذانها، أو تُسابق الزمن في تعميق روابط التطبيع مع تل أبيب، خرجت الرباط لتقول ما يجب أن يُقال. خرج الشارع المغربي بكل مكوناته: أحزاب، نقابات، حركات طلابية، وفعاليات حقوقية، من مشارب مختلفة، اجتمعت تحت خيمة واحدة: الكرامة العربية، والرفض القاطع للتطبيع، والدعم المطلق للمقاومة.
الهتافات لم تكن رمزية. بل حملت تحميلًا واضحًا للمسؤولية: “يكفينا من الحروب، أمريكا عدوة الشعوب”، “الشعب يريد إسقاط التطبيع”، “لا سفارة لا سفير.. فلسطين في المصير”.
الرسائل التي وجهها الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، عزيز هناوي، لم تكن أقل حدة، فالرجل اتهم بشكل مباشر الولايات المتحدة وشركاتها العسكرية بارتكاب جرائم إبادة في غزة تحت غطاء “العمل الإنساني”، مشيرًا إلى أن آلاف الجرحى يموتون يوميًا في المستشفيات المنهارة، وسط صمت “مخزٍ للنظام الرسمي العربي”.
ولم يتردد هناوي في تحميل مسؤولية القمع الذي طال المتضامنين مع غزة في ليبيا ومصر، إلى منظومة عربية أمنية أصبحت – كما قال – “تخشى المقاومة أكثر مما تخشى الاحتلال”.
أما العدوان الإسرائيلي الأخير على إيران، فاعتبره “حلقة ضمن مشروع استعماري شامل”، هدفه كسر إرادة الشعوب وفرض خريطة جديدة للمنطقة، يكون فيها العدو شريكًا، والمقاوم خطرًا، والصامت حكيمًا.
المسيرة كانت أكثر من مجرد حدث احتجاجي. كانت تذكيرًا عميقًا بأن الشعوب لا تموت، وأن الوعي الجمعي لا يُختزل في بيانات رسمية باردة، ولا يُشترى باتفاقيات سلام زائفة. الرباط، بعفويتها وصدقها الشعبي، أعادت تصويب البوصلة: نحو فلسطين، نحو القدس، نحو المبدأ.
وفي وقت أصبح فيه الصمت الرسمي تواطؤًا، والهروب نحو “السلام” غطاءً للهزيمة، فإن واجب المثقفين، والإعلام، والمجتمع المدني أن يصرخوا، أن ينزلوا للشارع، أن يكتبوا، أن يربّوا جيلًا لا ينسى، جيلًا يرفض أن يُربّى على التطبيع.
تعليقات الزوار