“نؤمن غذاءنا” بالشعارات! حين يرفع بركة راية السيادة الغذائية في حكومة أصبحت تستورد كل شيء

هبة زووم – الرباط
انعقد المؤتمر السادس للاتحاد العام للفلاحين، صباح اليوم الأحد 22 يونيو الجاري بالرباط، تحت شعار طموح: “نؤمن غذاءنا ونصون سيادتنا بفلاحة مدعمة ومنصفة”.
مؤتمر ترأسه الأمين العام لحزب الاستقلال، الدكتور نزار بركة، وهو نفسه وزير التجهيز والماء في حكومة تُفاخر برفع راية “السيادة الغذائية”، بينما لم تنجح حتى في ضمان السيادة على أبسط مقومات العيش: الماء الشروب.
قد يُخيل لمن لا يعرف المغرب أن هذا الشعار نتاج لتجربة سياسية نجحت في حماية الفلاح، ودعمت سلاسل الإنتاج، ووفرت مياه السقي، وأمّنت مخزونًا غذائيًا استراتيجيًا، وجعلت من الفلاحة رافعة تنموية وقاطرة للأمن الغذائي، لكن الواقع يُكذب كل ذلك: فالمغرب، أكثر من أي وقت مضى، يستورد غذاءه، وماؤه، وحتى لحومه.
الشعار المرفوع في مؤتمر الفلاحين – المنضوي تحت جناح حزب الاستقلال – يبدو وكأنه صادر من دولة أخرى، فالمزارع المغربي يئن تحت وطأة الجفاف المزمن، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتقلبات السوق، وغياب الدعم المباشر.
والأسواق المغربية تشهد كل أسبوع ارتفاعًا جنونيًا في أسعار الخضر، واللحوم، والدواجن، بينما تمتلئ الموانئ بحاويات القمح المستورد، والذرة، والصوجا، وحتى اللحوم الحمراء.
كيف يمكن أن نتحدث عن سيادة غذائية، ونحن نستورد اللحوم من البرازيل، والعدس من كندا، والقمح من أوكرانيا أو أمريكا، والفاكهة من عدد من الدول؟ وأي “فلاحة منصفة” تُقصي الفلاح الصغير، وتسحقه بين سندان الكلفة ومطرقة السوق، لصالح كبار المنتجين والمضاربين المحميين بشبكات المصالح؟
الأمين العام الذي ترأس المؤتمر لا يحمل فقط صفة قيادي حزبي، بل هو وزير التجهيز والماء في حكومة فشلت – باعتراف الجميع – في تأمين حتى الماء الصالح للشرب لآلاف القرى وحتى عدد من المدن الوازنة.
إن أولوية تأمين الماء ليست خيارًا تقنيًا، بل مسألة وجودية، ترتبط بصحة المواطنين وبقاء الفلاحة ذاتها، فكيف ندعم فلاحة دون ماء؟ وكيف نصون السيادة الغذائية ونحن لم نعد نملك حتى حقّ الشرب من صنابيرنا؟
ولا تكتمل الصورة إلا بذكر الرجل الآخر في المعادلة: عزيز أخنوش، رئيس الحكومة الحالي، والوزير السابق للفلاحة طيلة أكثر من 15 عامًا.
إنه مهندس مخطط المغرب الأخضر الذي بشّر المغاربة بثورة فلاحية تقودهم إلى الاكتفاء الذاتي، فإذا بنا اليوم نستورد حتى العدس، في ظل منظومة عمّقت الفوارق، ووجهت الدعم للمقاولات الكبرى، وأقصت الفلاحين الصغار، بل وأفقدت الدولة سيطرتها على سلاسل التوزيع والتسويق.
النتيجة؟ فلاحة موجهة للتصدير، تستنزف الماء وتُغرق الأسواق الأوروبية بالمنتوجات، بينما يقف المواطن المغربي حائرًا أمام أسعار الطماطم والبصل والدجاج، في بلد يُفترض أن يكون منتجًا لها.
المغاربة لا يحتاجون إلى شعارات تُعلّق في المؤتمرات، بل إلى رؤية صادقة ومسؤولة تعترف بالفشل أولًا، وتعيد ترتيب الأولويات ثانيًا، انطلاقًا من دعم الفلاح الصغير، وإعادة الاعتبار للماء كحقّ جماعي، ووضع الأمن الغذائي فوق الاعتبارات الحزبية والانتخابية، فالسيادة لا تُصان بالبلاغات… بل بالإرادة، والماء والغذاء لا يُؤمَّنان بالخطب… بل بالقرارات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد