الدار البيضاء وسقوط الأقنعة: عائدات التعمير تفضح الرياء السياسي

هبة زووم – إلياس الراشدي
الدار البيضاء، القلب النابض للمغرب الاقتصادي والاجتماعي، باتت تعيش مفارقة مريرة: مدينة في أمسّ الحاجة إلى نخبة سياسية صادقة ومسؤولة، لكنها مُحاطة بجوقة من المنتفعين والانتهازيين، ممن أتقنوا فنّ تزييف الخطاب وتحويل السياسة إلى وسيلة للاسترزاق، لا منصة لخدمة الوطن والمواطن.
في كل استحقاق انتخابي، وفي كل دورة جماعية، تنبعث ذات الوجوه والوعود، بأقنعة جديدة وخطابات منمقة. يُقسم بعضهم على الولاء للمدينة، يذرفون دموع التماسيح باسم “المصلحة العامة”، يتظاهرون بالزهد السياسي، ويُبدون امتعاضًا من المناصب، في محاولة لإيهام الرأي العام أنهم “مناضلون بالفطرة”، لا يطلبون جزاءً ولا شكورًا. لكن الحقيقة سرعان ما تتعرّى.
الفضائح المتتالية المرتبطة بعائدات التعمير في الدار البيضاء تُشكّل نافذة حقيقية لفهم حجم النفاق المستشري داخل بعض دواليب الجماعة. فبينما تُسجّل المدينة مداخيل هائلة من رخص البناء والتجزئات وتراخيص الاستثناء، تتعالى التساؤلات حول أوجه صرف هذه الموارد، وحول من يتحكم فعليًا في توزيعها، وفي ترتيب أولويات الاستثمار المجالي.
الأرقام لا تكذب. لكن بعض الساسة يحاولون ذلك. فالخطابات التي تتغنى بالشفافية، لا تجد ترجمتها في ممارسات التدبير. بل تُظهر الوقائع أن عائدات التعمير أصبحت في بعض المقاطعات أداة للترضيات السياسية وصفقات المحسوبية والزبونية، ما حوّل التنمية المجالية إلى حلبة للتنافس بين التيارات لا بين المشاريع.
أكثر ما يُميز جزءًا من الطبقة السياسية البيضاء، هو قابليتها العجيبة للتحول: من المعارضة الراديكالية إلى خطاب “الحكمة والتوافق”، ومن التنديد بـ”الفساد” إلى التعايش معه بدعوى “الإصلاح من الداخل”، إنها قابلية التلون السياسي والانبطاح الأخلاقي التي تنتشر كعدوى، خاصة كلما اقتربت رائحة منصب أو تعويض مالي.
فالمبادئ، كما يبدو، باتت مجرد أوراق تفاوض. و”الزهد في المناصب” لا يُعلن إلا أمام الكاميرات أو في بيانات فايسبوكية مشبوهة. أما في الكواليس، فالصراع على المواقع على أشدّه، والتنافس يحتدم على المقاعد واللجان والنيابات، حتى لو تم ذلك على حساب مصلحة المدينة أو في تحالفات هجينة مع خصوم الأمس.
الدار البيضاء لا تحتاج لمجالس تتفاخر بالأرقام، بل لمجالس تُحسّن واقع الناس. لا تحتاج لساسة ينشرون صورهم في مواقع التواصل، بل لمن ينزلون إلى الأحياء الشعبية ويُلامسون يوميات البيضاويين، هي مدينة تبحث عن قيادة بمستوى تطلعاتها، لا عن سماسرة يتقنون فن الاصطفاف السياسي على حساب كرامة المواطن.
إن سقوط الأقنعة، كما يحدث اليوم في ملف عائدات التعمير، قد يكون فرصة سانحة لإعادة تقييم المشهد برمته، ووضع حد لهذا الانفصام الخطير بين الخطاب والممارسة، ولعل البيضاويين أذكى من أن يُخدعوا مرة أخرى بأقنعة الوطنية الزائفة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد