الرشيدية بين الواقع المرير وأوهام التغيير: مسرحية بلا مخرج وأبطال بلا سيناريو

هبة زووم – الرشيدية
في مشهد يشبه مسرحية عبثية تفتقر إلى مخرج واضح وسيناريو محدد، تتخبط الرشيدية، كما هو الحال مع العديد من مدن جهة درعة تافيلالت، في دوامة من الإحباط والجمود، حيث يلعب كثيرون أدوار البطولة، بينما تبقى المدينة ومواطنوها في انتظارٍ بلا نهاية.
الوالي سعيد زنيبر، الذي يُعتبر اليوم “سائق الحافلة” الجديد، يجد نفسه محاطًا بمساعدين يرفضون التغيير ويصعبون مهمة التسيير، ما يعكس بوضوح الصراعات الداخلية وخلافات النفوذ التي تقف عائقًا أمام الإصلاح الحقيقي.
هذا المشهد يعكس هشاشة المؤسسات المحلية وغياب الرؤية الواضحة، حيث تُدار الملفات الكبرى بمنطق المصالح الضيقة والبيروقراطية المعطلة.
تبدو المدينة وكأنها تتحرك في مكانها، وكأنها على متن حافلة تسير في دوائر مغلقة لا تصل إلى وجهة محددة، ولا تحمل آمالًا حقيقية لسكانها. وهذا التكرار المخيب للآمال يعكس أزمة الثقة بين المواطن والمسؤول، وهي أزمة تمس جوهر التعاقد الاجتماعي وتضعف دعائم المشاركة الحقيقية في صنع القرار.
في هذا المشهد المتشابك، صار المواطن خبيرًا في فن الانتظار؛ ينتظر الوظيفة التي باتت حلمًا بعيدًا، ينتظر الطبيب في مراكز صحية تفتقر إلى الوسائل، ينتظر الحافلة التي قد لا تصل أبدًا، وأحيانًا ينتظر معجزة لا تتجلى. الانتظار هنا ليس فقط حالة ظرفية بل أصبح نمط حياة يكرس اليأس ويهدد النسيج الاجتماعي.
الطبقة المتوسطة في الرشيدية، التي كانت عماد المدينة، لم تعد سوى ذكرى. ماتت أو تلاشت، وبقي من تبقى منهم يتشبث بالكاد بحياة صعبة، بين فواتير متزايدة واقتطاعات قاسية، يعيشون على حافة الهاوية الاقتصادية.
هذا التراجع الطبقي يعكس التوزيع غير العادل للثروات وغياب سياسات اقتصادية فعالة تحمي الفئات الهشة وتعزز فرص الارتقاء الاجتماعي.
التعليم بدوره تحول إلى تجربة غامضة بلا هدف؛ لا يعرف التلميذ لماذا يدرس، ولا يعرف الأستاذ لمن يدرّس، في محاولة بائسة لملء فراغ وخلق وهم التطور.
وفي الصحة، المشهد أشد قسوة، إذ أن المستشفيات العامة تشبه محطات انتظار لا تنتهي، لا يلتقي فيها المرضى بالأطباء إلا بالصدفة أو الحظ، ويتحول العلاج إلى زعتر وحجامة ودعاء، بينما يعاني العالم القروي من غياب أبسط مقومات الرعاية الصحية.
غياب البنية التحتية الصحية يشكل انتهاكًا لحق دستوري أساسي ويؤثر سلبًا على جودة حياة السكان ويزيد من الهجرة نحو المدن الكبرى أو الخارج.
السياسة؟ مشهد كوميدي مأساوي يتكرر بلا جديد؛ تتغير الوجوه لكن الكراسي تبقى كما هي، والكلمات كثيرة والإنجازات معدومة. أكثر من عشرة برلمانيين، وجيش جرار من المنتخبين عن الرشيدية، فشلوا في نقل معاناة الساكنة إلى العاصمة الرباط، وحتى إلى حكومة معظم أعضائها يحملون ألوانها الحزبية.
هؤلاء المنتخبون لا يبرعون إلا في نقل مشاكلهم ومحاولة فكها، لكن المحصلة تبقى واضحة في عدد الأسئلة والطلبات الموجهة للحكومة، وكأن قدر هذه المدينة التي عرفها الجميع عبر السنوات بكفاءتها العلمية والمعرفية، أن تمثلها أميون لا يفرقون بين الألف والزرواطة.
هذا الفشل في التمثيل السياسي الفعّال يعكس أزمة تمثيلية حقيقية تزيد من إحباط المواطنين وتدفعهم إلى مزيد من العزوف السياسي والهجرة.
هذا الواقع السياسي يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى التمثيل البرلماني والفاعلية الديمقراطية، ويكشف عن فجوة بين المؤسسات ومطالب المواطن بهذه الجهة المنكوبة.
في خضم كل هذا، يبقى المواطن الراشدي الضحية الكبرى، يحاول مواجهة واقع قاتم بروح الدعابة، يطلق الهاشتاغات على وسائل التواصل، يهاجر غريبًا عن مدينته وهو يغني “في بلادي ظلموني”، لكنه رغم كل شيء يحمل أملًا لا يموت بأن يتغير الحال.
هذا الأمل رغم ثقل الواقع، هو اللبنة التي يمكن أن تبني مستقبلًا أفضل إذا ما توافرت الإرادة السياسية والحق في المشاركة.
وفي النهاية، تظل الرشيدية، وجهة الجمال والشمس والكسكس والروح، تنتظر فقط أن تُترك لأبنائها الشرفاء ليعيدوا إليها بريقها المفقود، ولتصبح مدينة تحترم أهلها وتعيش بكرامة حقيقية.
إصلاح الرشيدية ليس فقط مطلبًا محليًا، بل تجربة ضرورية لاقتلاع جذور الفشل الإداري والاجتماعي في المغرب، وتعزيز نموذج تنموي حقيقي يرتكز على العدالة والمساواة والشفافية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد