مراكش الحاضرة المتجددة… مشروع بميزانية مليارية يتحول إلى عنوان للفشل والتواطؤ

هبة زووم – ياسر الغرابي
كشفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في تقرير مفصل، ما اعتبرته وجهًا قاتمًا لمشروع “مراكش الحاضرة المتجددة”، الذي انطلق سنة 2014 بميزانية فاقت 6.3 مليار درهم، والذي كان يُفترض أن يُحدث نقلة نوعية في البنية التحتية والعمرانية للمدينة الحمراء، إلا أن ما رُوّج له كـ”ثورة حضرية” بات، حسب التقرير، مرادفًا للغش، وتضارب المصالح، وتبديد المال العام، وانتهاك الحقوق الأساسية.
التقرير، الذي توصلت “هبة زووم” بنسخة منه، جاء تتويجًا لتراكمات من الرصد والتتبع الميداني، ويتهم المسؤولين بتقديم نسب إنجاز مبالغ فيها وغير مطابقة للواقع.
ففي الوقت الذي صرحت فيه مؤسسة العمران بتحقيق 98٪ في بعض المشاريع، وادعت وزيرة إعداد التراب الوطني تجاوز 67٪ من الإنجاز، تسجل الجمعية أن الأوراش الكبرى لا تزال متوقفة أو في طور الجمود.
أورد التقرير نماذج بارزة لما وصفه بـ”الفشل البنيوي”، منها المسرح الملكي الذي لم يشهد سوى ترميمات سطحية منذ الثمانينات، ومدينة الفنون الشعبية التي تعيش ركودًا تامًا، وساحة مولاي الحسن التي بقيت مهملة دون تجهيز، مما يعكس انعدام النجاعة وهدر الزمن التنموي والمال العمومي.
واحدة من أبرز القضايا المثارة كانت تفويت بقعة أرضية مخصصة لبناء ثانوية تأهيلية لأحد المنتخبين، قبل أن تُسترجع بعد احتجاج الجمعية، دون محاسبة المتورطين.
كما تم الحديث عن تسجيل محاولة رشوة مفتش مالي، أدت إلى توقيف المدير الجهوي لمؤسسة العمران وسحب جواز سفره، في قضية لا تزال التحقيقات فيها تراوح مكانها.
وأشارت الجمعية إلى أن المشروع تم تنزيله من فوق دون إشراك المنتخبين أو المجتمع المدني أو الساكنة، في خرق واضح للفصل 139 من الدستور، الذي يقر بضرورة مشاركة المواطنين في السياسات العمومية، واصفة هذا الإقصاء بـ”انتهاك دستوري صريح”، يكرس تفرد القرار وهيمنة المركز وتفريغ الجماعات من صلاحياتها.
هذا، واتهم التقرير مؤسسة العمران بـ”احتكار التنفيذ”، حيث أسندت إليها الصفقات الكبرى بدون منافسة حقيقية، مما عزز تضارب المصالح بين الجهات الممولة والمنفذة، وأضعف الرقابة المؤسسية، سواء من المجلس الجماعي أو من أجهزة المراقبة المالية.
وسجل التقرير خروقات كبيرة في مشاريع الترميم داخل المدينة العتيقة، استعملت فيها مواد رديئة، وغيبت عنها المرجعية المعمارية، ليخلص إلى أن الهدف لم يكن الحفاظ على الذاكرة الجماعية، بل تهيئة الواجهة لفتح المجال أمام المضاربات العقارية.
ورغم مطالبتها المتكررة، تؤكد الجمعية أن مؤسسة العمران رفضت تمكينها من المعطيات المتعلقة بالصفقات، والمقاولات المستفيدة، ومعايير اختيار مكاتب الدراسات، ما يعد خرقًا صريحًا للفصل 27 من الدستور، وللقانون المنظم للحق في الحصول على المعلومة.
تقرير الجمعية، المعنون بـ”مشروع مراكش الحاضرة المتجددة: بين طموح التأهيل العمراني ومنطق الفساد البنيوي”، يعتبر أن هذا البرنامج تحول من ورش تنموي إلى عنوان لغياب الحكامة، وإفلات من المحاسبة، واستغلال للعقار العمومي في خدمة المصالح الخاصة.
ويختتم التقرير بتحذير من أن استمرار هذا النوع من المشاريع بدون مساءلة لا يهدد فقط المال العام، بل يضرب في العمق أسس العدالة المجالية، ويعمق الإحساس بالغبن لدى المواطنين، ويفرغ الدستور من مضامينه الحقوقية والتنموية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد