الدار البيضاء.. غلاء العقار يدفع ساكنة المدينة القديمة إلى أسطح البنايات ويحولها إلى مدن فوق المدن

هبة زووم – إلياس الراشدي
في قلب المدينة القديمة للدار البيضاء، وعلى ارتفاع لا تُسجّله خرائط العمران الرسمية، يعيش مئات الأسر في “غرف السطوح”، حيث لا نوافذ تطل على الأمل، ولا مساحات تتسع للكرامة.
هناك، في الطابق الذي لا يُحسب من طوابق البناية، تتكثف ملامح أزمة اجتماعية صامتة تتعلق بحق السكن، وبتكلفة العيش في مدينة تزداد غلاءً يوما بعد يوم.
ارتفعت أسعار العقار إلى مستويات غير مسبوقة، فأقصت فئات واسعة من البيضاويين من سوق السكن الرسمي، وأجبرتهم على البحث عن “فرص سكن” فوق السطوح، في غرف عشوائية ضيقة لا تتوفر على شروط العيش الكريم، لكنها مع ذلك تبقى أرحم من التشرد.
السطوح… مسكن الضرورة لا الاختيار
في أحياء مثل درب السلطان، المدينة القديمة، وعين السبع، لا تقتصر أسطح البنايات على أطباق الالتقاط التلفزي والملابس المنشورة، بل تحولت منذ سنوات إلى طوابق سكنية غير معلنة، حيث يُقام “سكن الظل” الذي لا تعترف به وثائق التعمير، لكنه واقع مأهول بالبشر، وبمعاناة لا تخطئها العين.
هؤلاء “الساكنون فوق السطوح” لا يدخلون في الإحصاءات الرسمية الدقيقة، ولا تشملهم استراتيجيات التنمية الحضرية، ولا تُؤخذ أوضاعهم بعين الاعتبار في المخططات العقارية للمدينة.
ومع ذلك، هم شريحة حقيقية من المجتمع، تضم عائلات، شبابا عاطلين، أرامل، وعمالا غير مهيكلين، تقاذفتهم الحياة إلى أعلى… حيث لا سلالم للعودة.
العقار في الدار البيضاء: حين يصبح السكن امتيازا طبقيا
تؤكد تقارير ميدانية أن أسعار الكراء في المدينة القديمة والوسط التاريخي للدار البيضاء شهدت قفزات حادة خلال السنوات الأخيرة، حتى في المباني الآيلة للسقوط، مما يجعل الغرف فوق السطوح ملاذًا شبه وحيد لمن فقدوا القدرة على مواكبة كلفة السكن النظامي.
ورغم الشروط القاسية التي يعيش فيها السكان – من غياب التهوية، وانعدام الخصوصية، وتدني البنية التحتية – فإن الطلب على هذه الغرف لا يزال مرتفعًا. ذلك أن الفقر لا يُمهل، والعجز لا يُناقش، والمضطر لا يملك ترف الخيارات.
سؤال الدولة الغائب
تبدو السلطات العمومية غائبة أو مترددة في التعامل مع هذا الواقع المزمن، الذي يُعد من بين تجليات الإقصاء السكني الأكثر حدة في المدن الكبرى. فلا وجود لسياسات إسكان موجهة لهذه الفئة، ولا لتدخلات استعجالية في الأحياء التي تعرف تمددا عشوائيا نحو الأعلى.
وتتزايد المخاوف من تفاقم هذا النمط من السكن الهش، خاصة في ظل غياب مراقبة هندسية وتقنية للغرف المضافة فوق الأسطح، ما يجعلها عرضة للانهيار، أو مصدرا دائما لمشاكل اجتماعية وأمنية.
العيش خارج الحكايات الرسمية
في غرف السطوح لا تُكتب القصص السعيدة. هناك، تتكدس الأحلام المؤجلة، وتتشظى الطموحات تحت سقف من الصفيح أو الإسمنت الخام. ومع ذلك، ما يزال سكان السطوح يتمسكون بالحياة، في انتظار أن تعترف بهم الدولة، لا كأرقام عشوائية، بل كمواطنين يستحقون الحد الأدنى من الكرامة والإنصاف.
فهل آن الأوان لطرح ملف السكن فوق السطوح كأولوية حضرية ملحة؟ أم أن هؤلاء السكان سيظلون معلقين بين السماء والمدينة، في فضاء لا يحتسبه أحد، لكنه يسكن وجع المغرب غير المرئي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد