هبة زووم – الرباط
تحوّلت مباريات توظيف “أستاذ مساعد” التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية في إطار تسوية جزئية لملف دكاترة القطاع، إلى بؤرة جديدة للجدل والسخط، بعدما تفجرت شبهات خروقات وتجاوزات خطيرة شابت مجريات الانتقاء الأولي والإفراج عن لوائح المرشحين، لتطرح أكثر من علامة استفهام حول نزاهة العملية وصدقية تعاطي الوزارة مع هذا الملف المزمن.
في التفاصيل، أعلنت الوزارة عن تنظيم مباريات توظيف 600 أستاذ مساعد كدفعة أولى من ثلاث دفعات مقررة، في محاولة لـ”تصفية” ملف يقارب عمره العقدين، ويمس حوالي 6000 دكتور ينتمون إلى منظومة التعليم العمومي.
غير أن ما وُصف بالتسوية المرتقبة، تحول إلى حقل ألغام إداري وأخلاقي، بعدما طفت إلى السطح انتقادات لاذعة طالت معايير الانتقاء، وإقصاء أسماء وازنة لصالح مرشحين غير معروفين، أو آخرين حديثي العهد بالبحث الأكاديمي أو حتى بالقطاع نفسه.
أبرز ما فجّر الجدل هو ترشح عدد من كبار موظفي الوزارة ومراكزها الجهوية، بل ومسؤولين تربويين نافذين، للظفر بمنصب “أستاذ مساعد”، في ضرب صارخ لمبدأ تكافؤ الفرص، وفتح الباب أمام تضارب المصالح. في المقابل، تفاجأ العديد من الدكاترة بإقصاء ملفاتهم رغم ما راكموه من خبرة تربوية ومؤهلات أكاديمية رفيعة.
وفي هذا السياق، تعدّدت الطعون والاحتجاجات التي وُجهت إلى الأكاديميات والوزارة، خصوصًا بشأن نتائج مباريات بعينها، كـمباراة المعلوميات بالرشيدية، والتاريخ والجغرافيا بالمركز الجهوي بطنجة، التي تم الطعن في نتائجها بسبب ما قيل إنه إقصاء غير مبرر لأسماء لامعة، مقابل ترشيح أسماء لم يُعرف عنها ارتباط فعلي بالمجال الأكاديمي أو البحثي.
وتشير أصوات من داخل تنسيقيات الدكاترة إلى أن هذه العملية “الانتقائية” تعاكس تمامًا روح الاتفاق المبرم حول تسوية ملفهم، حيث لم يُفتح الباب أمام حل جذري بإغلاق اللائحة بشكل واضح، بل تم التعامل مع الأمر بمنطق دفعات جزئية قد تُفاقم الشعور بالغبن.
والأدهى أن مباريات “أستاذ مساعد” بدل أن تشكل خطوة نحو الإنصاف، ساهمت في تعميق الإقصاء وتغذية الشكوك، خاصة في ظل غياب الشفافية وغياب معايير دقيقة لضبط عمل اللجان.
وأمام هذا الوضع الملتبس، يتساءل دكاترة القطاع، الذين أُقصوا لسنوات طويلة من الولوج إلى المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين أو الجامعات، عن مدى جدية الوزارة في تسوية هذا الملف فعلاً، أم أن الأمر لا يعدو كونه مناورة لتفريغ الاحتقان وتلميع الصورة دون رغبة حقيقية في حل المشكل من جذوره.
مطالب عديدة طُرحت اليوم، تدعو إلى فتح تحقيقات عاجلة وجدية في الخروقات التي شابت مباريات هذه السنة، ومحاسبة كل من ساهم في توجيه النتائج أو التلاعب بالمحاضر أو الانتقاء. كما يجري التشديد على ضرورة إعادة النظر في عملية التباري برمتها، عبر توفير شروط تكافؤ حقيقية، واعتماد معايير دقيقة، ولجان أكفاء يتم اختيارها بعيدًا عن منطق الزبونية أو التوجيه السياسي والإداري.
لقد آن الأوان لوزارة التربية الوطنية أن تخرج عن صمتها وتُوضح للرأي العام، خصوصًا داخل القطاع، معايير الانتقاء التي اعتمدت عليها، والخلفيات التي تحكمت في تمرير بعض الأسماء على حساب أخرى. فاستمرار الصمت هو تغذية مباشرة لأزمة الثقة المتفاقمة.
الملف لم يعد إدارياً فقط، بل أصبح قضية كفاءة وعدالة وأخلاق مهنية، في قطاع يُفترض أن يكون أول المدافعين عن القيمة العلمية والاجتهاد الأكاديمي.
وفي انتظار أن تتخذ الوزارة موقفًا صريحًا ومسؤولًا، يبقى نزيف كفاءات دكاترة التعليم مستمرًا، والظلم مسلطًا على رقابهم، فيما تتحول التسويات الجزئية إلى ممارسات تزيد الجرح عمقًا والاحتقان اشتعالاً.
تعليقات الزوار