السعيدية.. مدينة فقدت لونها الأزرق فهل يعيد التدبير الجديد رسم مستقبلها أم يعيد تدوير الماضي؟

هبة زووم – محمد أمين
من كان يتوقع أن المدينة التي كانت تُوصف يومًا بعاصمة السياحة المغربية ستجد نفسها اليوم محاصرة بكتل إسمنتية رمادية، بلا هوية ولا روح؟
في السعيدية، لم يعد الحديث عن الفساد المحلي ترفًا أو مبالغة. إنه واقع ملموس في الأرصفة المتكسّرة، وفي المشاريع الموقوفة، وفي الصفقات التي كثيرًا ما تُثار حولها علامات الاستفهام حين تُمنح بمعايير لا علاقة لها بدفاتر التحملات.
لكن ما يدعو للدهشة هو هذا البرود الإداري والتباطؤ الغريب في تحريك المساطر ضد منتخبين ومسؤولين سابقين تم توقيفهم أو وُضعت حولهم أسئلة كثيرة. وجوه كانت قبل سنوات قليلة تتصدر لوحات “التنمية” وصور التدشينات، قبل أن تتحول فجأة إلى ملفات تنتظر التحريك.
اليوم تستقبل السعيدية العامل الشنوري، وعلى عكس ما يروج من آمال، لا يقدم الرجل نفسه كحامل لمفاتيح التغيير بقدر ما يبدو أنه يحمل معه ملفات مفتوحة وأخرى مغلقة بإحكام من محطاته السابقة.
غير أن المثير للانتباه هو حديث النخب المحلية عن شخصية ملازمة له في كل محطاته الإدارية، باتت تُوصف في الكواليس بـ “رفيق الظل”؛ موظف يرافق العامل في تنقلاته، يحضر اجتماعاته، ويُنظر إليه أحيانًا كصاحب أدوار غير واضحة بين تنسيق المواعيد، وصياغة التقارير، وضبط “مناخ الثقة” داخل الإدارات.
وجود هذا “الظل الإداري” يطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة الأدوار غير الرسمية داخل منظومة التسيير الترابي، وكيف يمكن لمثل هذه الشخصيات أن تؤثر – سلبًا أو إيجابًا – على مسارات الملفات الحساسة داخل المدينة.
ولأن التجارب السابقة علّمت المجالس والجمعيات المهنية الكثير، فمن باب التحذير لا الاتهام، تبدو الحاجة ملحة لأن يتحمل الفاعلون المحليون مسؤولياتهم كاملة: راقبوا الوعاء العقاري للمدينة، راقبوا المساحات الخضراء، وراقبوا برامج الاستثمار وجدول أشغال مجلسكم.
ففي مدن أخرى، تسرّبت “جداول ظلّية” خلف الاجتماعات الرسمية، وصيغت تفاهمات خارج محاضر الجلسات.
وإن كان البعض يظن أن هذه التحذيرات مبالغ فيها، فما عليهم إلا سؤال سكان خريبكة، الذين عاشوا تجربة إدارية معقدة خلّفت وراءها أسئلة أكثر من الأجوبة، كما أورثت فراغًا تدبيريًا ما زالت آثاره واضحة إلى اليوم.
مدينة السعيدية تقف اليوم على منعطف مهم: إما أن تُعيد تنظيم أوراقها وتفكك شبكات الريع التي أثقلت مسارها لسنوات، أو تسمح بإعادة إنتاج نموذج ترابي مشوَّش، فيه القرار يُصنع في المكاتب، بينما تُصدر التوجيهات الحقيقية من دهاليز الظل.
ويبقى السؤال: هل تكون السعيدية أول مدينة تقطع مع الإرث الإداري القديم، أم محطة جديدة تُضاف إلى سلسلة التجارب التي ضاعت فيها البوصلة بين الرسمي وغير المرئي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد