هبة زووم – محمد أمين
في مدينة كان يُفترض أن تكون جوهرة البحر الأبيض المتوسط، تقف السعيدية اليوم، كأنها عالقة بين ماضٍ واعد وحاضر مرتبك، فمدينة السياحة، التي كانت يوماً تُقدَّم كنموذج للمدينة السياحية المثالية، صارت في نظر كثير من سكانها مشروعاً مؤجلاً، أو حلماً وُضع بعناية في رف الانتظار، بينما تتآكل أحجارها تحت وطأة الإهمال وعجز المسؤولين.
فبينما يُفترض أن تكون السعيدية واجهة المغرب السياحية على المتوسط، تحولت شوارعها وأزقتها إلى شاهد صارخ على اللامبالاة المؤسسية، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً محرجاً: كيف لمدينة بكل هذه الإمكانات الطبيعية والبشرية أن تبدو وكأنها تسير ببطء نحو الهامش؟ وأي مسؤولية هذه التي تترك الجوهرة تغرق في الفوضى دون أي تحرك؟
طرقات منهكة وأرصفة محطمة: أي صورة هذه للسياحة؟
الطرقات التي أنهكها الزمن، والأرصفة التي تحولت إلى فسيفساء من الحفر، والمساحات الخضراء التي تتراجع أمام زحف الإسمنت العشوائي، ليست مجرد تفاصيل عابرة أو هفوات جمالية، بل هي إشارات صغيرة تتجمع لتصنع سؤالاً كبيراً حول مصير المدينة.
هذا التدهور البصري والوظيفي يطرح إشكاليات وجودية: كيف يمكن جذب السياح إلى مدينة تبدو طرقاتها كمسارات وعرة؟ وأين هي الصيانة الدورية التي يفترض أن تضمن سلامة المارة وجمال المدينة؟ ولماذا تُقدم “الأسمنتة” على التشجير بينما العالم يتجه نحو المدن الخضراء المستدامة؟
فتحويل الفضاء العمومي من وجهة جذابة إلى ورشة أشغال غير منتهية لا يُهدد فقط الصورة السياحية للمدينة، بل يُرسّخ ثقافة الإهمال الممنهج التي لطالما عانت منها المدن الساحلية في المغرب.
المواطن يبحث عن كرامة المدينة والمسؤول يبحث عن الكرسي
كل ما يريده المواطن هو أن تُحترم المدينة التي يعيش فيها، وأن يُحترم إيقاع حياته اليومية: طرقات صالحة لا تتحول إلى متاهات بعد أول مطر، فضاءات للشباب تتيح لهم الحركة والابتكار، نظافة في الأحياء لا تختفي مع أول سلة مهملات ممتلئة، وإنارة لا تنطفئ مع أول نسمة ريح.
لكن هذا المطلب البسيط يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُصان الإنارة العمومية بشكل استباقي قبل تعطلها؟ وأين هي حملات النظافة المستمرة التي تضمن بيئة سليمة للسكان والزوار؟ وكيف يمكن للشباب أن يبدعوا بينما تُحرم المدينة من فضاءات عمومية لائقة؟
فاستمرار تدهور الخدمات الأساسية لا يُهدر فقط جودة العيش، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُحوّل الحقوق الأساسية من واجبات على الدولة إلى منن تُقدم حسب الأهواء.
الموظف المناسب في المكان المناسب: حل سحري أم غياب للرؤية؟
لكل هذا الثمن البسيط والواضح: وجود الموظف المناسب في المكان المناسب، موظف يعرف كيف يدير الموارد، ويشعر بالمدينة، كما يشعر أبناؤها، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبارات شخصية أو ضيقة.
هذا المطلب التدبيري يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا تُعين الكفاءات بناء على الولاءات لا على الخبرة والرؤية؟ وأين هي محاسبة المقصرين الذين يديرون المدينة بأرقام ميزانية لا بنبض حياة؟ وكيف يمكن ضمان استمرارية المرفق العام بينما تتغير المسؤوليات دون تغيير في ثقافة الإهمال؟
فالموظف الذي يملك الخبرة والرؤية، ويعرف أن المدينة ليست مجرد أرقام في ميزانية، بل حياة يومية يلمسها المواطن في كل خطوة يخطوها، هو الحل المفقود الذي تبحث عنه السعيدية منذ سنوات.
ما تعيشه السعيدية مع أزمة التدبير الحضري ليس تحدياً ظرفياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية الانتظار لخدمة المصلحة العامة.
تعليقات الزوار