إدانة مدير بنكي بـ12 سنة سجناً تفضح هشاشة الرقابة وتضارب المصالح بتطوان

هبة زووم – الرباط
في خطوة قضائية وُصفت بالأقوى خلال الأشهر الأخيرة، أسدلت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل بمدينة تطوان، بعدما أدانت المدير الجهوي السابق لبنك الاتحاد المغربي للأبناك (UBM)، والنائب السادس السابق لرئيس جماعة تطوان، بـ 12 سنة سجناً نافذاً وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف درهم، إضافة إلى إلزامه بأداء تعويض مدني ضخم قدره 320 مليون سنتيم لفائدة الجهة المتضررة.
هذا الحكم لا يمثل فقط نهاية صفحة قضائية، بل يكشف بوضوح حجم الأعطاب البنيوية التي تنخر المؤسسات المالية والإدارية، حين تختلط السلطة بالمال، ويُترك الباب مفتوحاً أمام ممارسات لا تمت بصلة لقيم الشفافية والرقابة.
خروقات مالية “معقدة وغير مشروعة”
التحقيقات القضائية التي امتدت لأشهر طويلة، كشفت عن وجود اختلالات مالية جسيمة داخل الوكالة البنكية التي كان المتهم يشرف على إدارتها بوسط تطوان.
تلك الاختلالات لم تكن مجرد أخطاء تدبيرية، بل عمليات وُصفت في محاضر التحقيق بأنها “معقدة” و“غير مشروعة”، تتداخل فيها التحويلات غير المبررة، والتلاعب بحسابات الزبائن، واستغلال الموقع الوظيفي لتسهيل عمليات مشبوهة استمرت لسنوات دون كشفها.
ورغم أن القطاع البنكي يفترض أن يكون الأكثر خضوعاً للرقابة المالية والتدقيق المحاسباتي، إلا أن ما وقع يطرح أسئلة حارقة حول ثقوب المراقبة وحول كيفية تمكن شخص واحد من تعطيل منظومة كاملة من الضوابط.
إيقاف داخل المكتب.. وتفاصيل صادمة
المتهم تم توقيفه قبل أزيد من سنة، داخل مكتبه بأحد فروع البنك بتطوان، في واقعة خلقت حينها صدمة قوية داخل المدينة. فالرجل لم يكن مجرد إطار بنكي عادي، بل شخصية محورية تجمع بين المسؤولية داخل مؤسسة مالية حساسة، وعضوية بارزة داخل مكتب جماعي منتخب، إلى جانب ارتباطه السابق بتدبير شؤون فريق المغرب التطواني.
هذا التداخل بين السلطة المالية والتمثيلية والسياسية، جعل القضية تتجاوز بعدها القانوني لتتحول إلى نقاش عمومي حول تضارب المصالح، وفشل المنظومة في منع تركز النفوذ في يد أشخاص يتحكمون في مفاصل حساسة داخل المدينة.
صدمة تطوان.. وأسئلة تنتظر الإجابة
قضية المدير الجهوي السابق لم تهز البنك وحده، بل خلفت ارتداداتٍ واسعة داخل الأوساط المحلية والوطنية، بالنظر إلى ضخامة المبالغ موضوع المتابعة، وإلى حساسية المناصب التي كان يشغلها المتهم، ما جعل الرأي العام يتساءل:
كيف أمكن تمرير هذه العمليات دون أن تنتبه أجهزة المراقبة البنكية؟ ولماذا ظل ملف كهذا حبيس الصمت إلى أن انفجر فجأة؟ وهل تم فتح تحقيقات داخلية لتحديد المسؤوليات الثانوية؟ وهل هناك ملفات أخرى لم تُفتح بعد؟
إن حكم 12 سنة سجن ليس نهاية، بل بداية لمسار يجب أن يشمل مراجعة شاملة لمنظومة الرقابة داخل المؤسسات البنكية والإدارية، حتى لا تتحول مواقع المسؤولية إلى منصات للاغتناء غير المشروع.
القضية ـ رغم ثقلها ـ قد تكون فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، إذا تم التعامل معها بمنطق إصلاحي حقيقي، لا بمنطق إغلاق الملفات بعد الحكم. فالمال العام ليس مجرد أرقام، بل هو حق الجماعة، وثروتها، ومستقبلها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد