هبة زووم – الرباط
لم يكن ما جرى خلال افتتاح كأس أمم إفريقيا مجرد حادث عرضي يمكن طيه بتوضيح متأخر أو خرجة إعلامية مستعجلة. ما حدث أبعد من سرقة آلة تصوير، وأخطر من خلل تقني معزول؛ نحن أمام وقائع متزامنة ومترابطة، تكشف اختلالاً بنيويًا في طريقة تدبير الإعلام الوطني داخل تظاهرة قارية يُفترض أنها واجهة للدولة، لا حقل تجارب للاستخفاف بالصحافة.
فمساء الأحد، تفاجأ مصور صحفي تابع لإحدى الجرائد الوطنية باختفاء كاميرته الاحترافية، ذات القيمة المالية المرتفعة، من داخل أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، أثناء قيامه بمهامه المهنية لتغطية حفل الافتتاح.
الواقعة لم تحدث في فضاء عام مفتوح، بل داخل منطقة يُفترض أنها مؤمنة ومضبوطة الولوج، ولا يدخلها سوى المعتمدين والعاملين.
الأكثر إثارة للريبة أن المصور عثر لاحقًا على كاميرا أخرى موضوعة مكان كاميرته خلف أحد المرميين، في مشهد عبثي يطرح أكثر من سؤال: هل نحن أمام سرقة؟ أم عملية استبدال متعمدة؟ أم فوضى كاملة في تدبير الولوج والمعدات داخل فضاء رسمي يخضع نظريًا لأعلى درجات التنظيم؟
وعوض أن تكون الواقعة مدخلاً لمساءلة جذرية، جرى التعامل معها بمنطق التهدئة السطحية، في انتظار تفريغ كاميرات المراقبة، بعد أن وضع المصور شكاية رسمية لدى المصالح الأمنية، غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بـ”من سرق الكاميرا”، بل بـمن سمح أصلاً بتحويل فضاء إعلامي رسمي إلى مجال غير آمن للصحفيين؟
هذه الحادثة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإقصاء والتضييق، طبع عملية اعتماد الصحافيين خلال افتتاح البطولة، إذ تفاجأت عدة منابر إعلامية، وطنية وجهوية، بإقصائها دون مبررات واضحة، في مقابل اعتماد انتقائي يكرس منطق الولاء بدل المهنية، ويحوّل التغطية الإعلامية من حق مهني إلى امتياز يُمنح ويُسحب.
هنا يبرز اسم فوزي لقجع، بصفته المسؤول الأول عن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والمشرف المباشر على التنظيم، فبدل أن تكون التظاهرة مناسبة لترسيخ الشفافية وتكافؤ الفرص بين الصحفيين، تحولت إلى محطة جديدة لتأكيد هيمنة منطق التحكم، حيث تُدار العلاقة مع الإعلام بعقلية “الاصطفاف” لا بعقلية الشراكة.
إن ما وقع في افتتاح “الكان” يضرب في العمق ثقة الجسم الصحفي في الجهة المنظمة، ويطرح علامات استفهام كبرى حول احترام حرية الصحافة وسلامة الصحفيين، ليس فقط من حيث الخطاب، بل من حيث الممارسة الميدانية.
فحين يُقصى صحفيون دون تفسير، وتُسرق معدات داخل فضاء مؤمّن، ويُختزل كل ذلك في “حادث معزول”، فنحن لا نسيء فقط للصحافة، بل نُفرغ مفهوم التنظيم من مضمونه، ونحوّل تظاهرة قارية إلى واجهة هشة تُدار بالارتجال.
إن حماية الصحفي ليست امتيازًا، بل شرطًا أساسياً لنجاح أي تظاهرة دولية، والمساءلة هنا ليست ترفًا ولا تصفية حسابات، بل ضرورة مؤسساتية، لأن ما يُهدَّد اليوم ليس كاميرا فقط، بل ما تبقى من الثقة في علاقة الجامعة بالإعلام، وفي صورة المغرب كبلد يحترم صحافته.
تعليقات الزوار