هبة زووم – آسفي
لم تكن التساقطات المطرية القوية التي شهدتها مدينة آسفي، صباح اليوم السبت، مجرد حدث مناخي عابر، بل إنذارًا جديدًا أعاد فتح جرح لم يندمل بعد.
ارتفاع حمولة وادي الشعبة، وتحوّله في لحظات إلى مجرى لسيول جارفة، أعاد إلى الأذهان مشاهد الرعب التي عاشتها المدينة قبل أسبوعين فقط، حين تحوّلت أزقتها، خصوصًا بالمدينة القديمة، إلى مصائد موت.
الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن بحاجة إلى تعليق: مياه هائجة، وادٍ قد يخرج عن السيطرة، وساكنة تراقب المشهد بقلق ممزوج بالغضب، في مدينة لم تتعافَ بعد من فاجعة أودت بحياة أزيد من 37 شخصًا، وخلفت خسائر مادية فادحة، ما تزال آثارها النفسية والاجتماعية حاضرة بقوة.
صحيح أن السلطات المعنية سارعت إلى وضع حواجز حديدية على طول وادي الشعبة، في محاولة لمنع اقتراب المواطنين، غير أن هذه الإجراءات، مهما كانت ضرورتها، تبقى ذات طابع إسعافي متأخر، لا يُعالج أصل الداء، ولا يُطمئن ساكنة فقدت ثقتها في خطاب “التحكم” و”الجاهزية”.
المدينة التي دفعت ثمن الإهمال مضاعفًا، ما تزال إلى حدود الساعة تداوي جراحها، إذ خضع في حينه 14 مصابًا للعلاجات الطبية بمستشفى محمد الخامس بآسفي، من بينهم حالتان في قسم العناية المركزة، أرقام لا تختزل المأساة، لكنها تُذكّر بأن الفيضانات لم تكن مجرد أضرار مادية، بل كارثة إنسانية مكتملة الأركان.
وسط هذا السياق المشحون، خرج وزير التجهيز، خلال جلسة برلمانية سابقة، بتصريح مفاده أن “السد لم يتمكن من أداء دوره، ما أدى إلى اجتياح الفيضانات وسط المدينة”.
عبارة تقنية في ظاهرها، لكنها في عمقها تحمل منطقًا مقلوبًا للمساءلة: إذ يُنزَع الفعل البشري من دائرة الاتهام، وتُحمَّل المسؤولية لمنشأة صمّاء، وكأن السد هو من اتخذ قرارات التخطيط، أو أجّل المشاريع، أو تجاهل دراسات الخطر.
مصادر موثوقة لهبة زووم تؤكد أن الكارثة لم تكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لتعثر مشاريع وقائية أساسية، تقف وراءها وكالة الحوض المائي تانسيفت، والتي تراجعت عن تنفيذ مشروع كان من شأنه تقليص حجم الخسائر، وربما تجنيب آسفي هذه الحصيلة الثقيلة من القتلى.
هنا، لم يعد السؤال هو: لماذا فاض الوادي؟ بل: لماذا لم تُنجَز المشاريع في وقتها؟ من قرر التأجيل؟ ومن يتحمل مسؤولية تجاهل التحذيرات والدراسات التقنية؟ ولماذا لا يزال منطق الإفلات من المحاسبة هو القاعدة، حتى عندما تكون الكلفة أرواحًا بشرية؟
إن ما تعيشه آسفي اليوم يكشف، مرة أخرى، أن الخلل ليس في المطر، بل في تدبير ما بعده، وفي ثقافة مؤسساتية لا تتحرك إلا بعد وقوع الفاجعة، ثم تكتفي بتبادل التبريرات، في انتظار أن تُطوى الصفحة بنسيان جماعي قسري.
أمام هذا الوضع، لم يعد فتح تحقيق معمق ومستقل خيارًا ثانويًا، بل ضرورة أخلاقية وقانونية، ليس فقط لإنصاف الضحايا، بل لوضع حد لمسلسل الأخطاء القاتلة التي تُدار بها ملفات الوقاية من الكوارث الطبيعية، في مدينة باتت تدفع ثمن التقصير مضاعفًا، مرة بالماء، ومرة بالصمت.
تعليقات الزوار