هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد الحفر التي تغطي شوارع وأزقة مدينة الجديدة مجرد اختلالات تقنية عابرة يمكن تبريرها بعوامل ظرفية أو أعطاب مؤقتة، بل تحولت إلى عنوان يومي لمعاناة الساكنة، وإلى مشهد ثابت يختزل ارتباك التدبير المحلي، وتعدد المتدخلين، وغياب التنسيق، وانعدام الرؤية الشمولية في معالجة أعطاب البنية التحتية.
كشفت التساقطات المطرية الأخيرة، وبشكل فاضح، هشاشة البنية التحتية بمدينة الجديدة، بعدما تحولت شوارع رئيسية وأحياء سكنية إلى برك مائية، ومصائد حقيقية للسيارات والراجلين، في مشهد يتكرر مع كل موسم مطري، ويؤكد أن المدينة لا تزال عاجزة عن استيعاب أبسط الظواهر المناخية، رغم موقعها الاستراتيجي ومكانتها الاقتصادية المفترضة.
ما يقع ليس استثناءً ولا حادثًا معزولًا، بل نمط متكرر من الفشل، يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى المشاريع المنجزة، وجودة الأشغال، وآليات التتبع والمراقبة، وحول مصير الاعتمادات التي تُصرف دون أن تترجم إلى بنية صلبة قادرة على الصمود أمام أول اختبار طبيعي.
الجديدة، التي كان يُفترض أن تكون قلبًا نابضًا داخل جهة دكالة، ونقطة وصل بين أقطاب اقتصادية كبرى، تحولت اليوم إلى مختبر حي لعطب التنمية، وإلى مثال صارخ على تعثر الدولة في تجلياتها المحلية الأضعف، حيث تتراكم المشاريع دون أثر، وتتعدد البرامج دون نتائج، وتغيب المحاسبة رغم وضوح الأعطاب.
وهو وضع يضع المدينة في تناقض صارخ مع الرؤية الملكية الواضحة التي عبّر عنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حين أكد في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على العرش: “لا مكان اليوم ولا غدًا لمغرب يسير بسرعتين”، غير أن ما تعيشه الجديدة يوحي، للأسف، بأنها لا تزال خارج هذه السرعة، بل خارج منطق الإنصاف المجالي نفسه.
ما يحدث في الجديدة ليس خللًا تقنيًا معزولًا، بل انهيار ممنهج في منظومة التدبير المحلي، تتحمل مسؤوليته دولة لم تنجح في فرض الالتقائية بين السياسات العمومية على المستوى الترابي، ولم تواكب بشكل فعلي تنزيل مشاريع تقليص الفوارق المجالية، كما تتحمل مسؤوليته نخب سياسية تعاملت مع المدينة كـخزان انتخابي وبقرة حلوب، لا كحاضرة تستحق التخطيط والاستثمار والاستدامة.
فبين مجلس جماعي محدود الأثر، وتدخلات قطاعية غير منسجمة، وغياب رؤية حضرية واضحة، تجد الجديدة نفسها عالقة في حلقة مفرغة من الإصلاحات الترقيعية التي لا تعالج أصل الداء.
الخطر الحقيقي في الجديدة لا يكمن فقط في غياب التنمية، بل في تطبيع الرداءة وتحويلها إلى واقع مألوف، حيث يعتاد المواطن على الحفرة كما لو كانت جزءًا من تصميم الشارع، ويتقبل انقطاع الماء أو الكهرباء كأمر عادي، ويُسلّم بأن غياب الاستثمار قدر لا مفر منه.
وحين تتحول الرداءة إلى ثقافة عامة، لا تعود الأزمة أزمة طرق أو بنية تحتية فحسب، بل تتحول إلى أزمة وعي وأمل، تُنتج مواطنًا مستقيلاً، فاقدًا للثقة في المؤسسات، ومتعايشًا مع التهميش.
وهذا، في العمق، أخطر من أي عجز مالي أو مؤشر اقتصادي سلبي، لأنه يضرب في صميم فكرة المدينة كفضاء للعيش الكريم والكرامة والفرص.
تعليقات الزوار