أكادير: حين تتحول البيروقراطية من خلل إداري إلى سياسة إنهاك

هبة زووم – علال الصحراوي
لم تعد البيروقراطية في أكادير مجرد عطب عابر في دواليب الإدارة، ولا خطأ تقنيًا يمكن تبريره بنقص الموارد أو ضغط الملفات.
ما يجري اليوم أقرب إلى نمط تدبيري كامل، يقوم على إنهاك المواطن، استنزاف وقته، وتعليق حقوقه بين مكتب وآخر، في مشهد يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام عجز إداري أم اختيار مقصود؟
في أكادير، لا يُطلب من المواطن فقط أن ينتظر، بل أن يتأقلم مع الانتظار. أن يُهيئ نفسه لمساطر طويلة، لوثائق متكررة، لتوقيعات لا تنتهي، ولمسؤولين غائبين أكثر من حضورهم.
إدارة لا تشتغل بمنطق الخدمة العمومية، بل بمنطق الاشتباه، وكأن الأصل في المواطن هو التعقيد لا الاستحقاق.
لا يمكن بناء دولة قوية بإدارة تُرهق مواطنيها، ولا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية أو عدالة مجالية، في ظل مساطر تُعامل الجميع بعين الريبة، لا بمنطق الثقة.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد القوانين، بل بقدرتها على تبسيط الحياة اليومية لمواطنيها، وعلى جعل الإدارة أداة للحل لا مصنعًا للأزمات الصغيرة.
الأخطر أن هذه البيروقراطية لا تقف عند حدود التعطيل، بل تُنتج اختلالات أعمق. فحين تُغلق الأبواب الرسمية، تُفتح النوافذ الخلفية. وحين تطول المساطر، يصبح الاختصار مغريًا.
وهنا، لا تعود الرشوة أو الوساطة استثناءً، بل نتيجة منطقية لمنظومة تدفع المواطن، دفعًا، إلى البحث عن النجاة الفردية خارج المسار القانوني.
ليس المواطن هو من يصنع الفساد، بل التعقيد، وليس الرشوة قرارًا أخلاقيًا فقط، بل رد فعل على إدارة ترفض أن تشتغل بسلاسة، حين يصبح الحق معلقًا بإرادة موظف، أو بتوقيع مؤجل، أو بملف “ناقص” بلا نهاية، فإن الثقة في الدولة تتآكل بصمت.
ورغم الخطاب الرسمي المتكرر حول رقمنة الإدارة، فإن واقع أكادير يكشف فجوة صارخة بين الشعار والممارسة، تُرقمَن الاستمارات، لكن يُحافظ على العقلية نفسها.
ويُنقل التعقيد من الورق إلى الشاشة، دون أي مراجعة حقيقية لمنطق الطلب، أو جدوى الوثيقة، أو زمن القرار، فيتحول “الإصلاح” إلى نسخة إلكترونية من البيروقراطية القديمة، أكثر برودة، وأقل تواصلاً، وأكثر تنصلاً من المسؤولية.
الرقمنة، حين لا تُرافق بإصلاح عميق في العقليات، تصبح واجهة حداثية فقط، مسؤول غائب خلف الشاشة، طلب غير مبرر بنقرة زر، وملف يتعطل إلكترونيًا بدل أن يتعطل ورقيًا، والنتيجة واحدة: مواطن تائه، وحق مؤجل، وإدارة تتقن قول “عد لاحقًا”.
إن ما تعيشه أكادير اليوم ليس مسألة إدارية معزولة، بل مؤشر مقلق على خلل في تصور العلاقة بين الدولة والمواطن، فإما أن يكون المواطن شريكًا في البناء، أو يظل متهمًا يحتاج إلى إثبات براءته في كل نافذة إدارية.
الإصلاح لم يعد خيارًا تجميليًا، ولا شعارًا في بلاغ رسمي، إنه ضرورة تمس كرامة الناس، وثقتهم في المؤسسات، ومعنى الدولة نفسها، لأن الإدارة التي تُرهق مواطنيها، تُضعف نفسها أولًا، وتفتح الباب واسعًا أمام فقدان الثقة، أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد