الدار البيضاء: “يتامى أخنوش” في مهب الريح وصراع التيارات سينهي سطوة “الأحرار” على العاصمة الاقتصادية

هبة زووم – أحمد الفيلالي
دخل حزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الدار البيضاء مرحلة ارتباك غير مسبوقة، مباشرة بعد إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس الحزب، وهو قرار لم يُغلق صفحة بقدر ما فتح أبواباً كانت موصدة على خلافات صامتة، لتتحول العاصمة الاقتصادية إلى ساحة صراع مفتوح بين تيارات متناحرة داخل تنظيم اعتاد الاشتغال تحت مظلة زعيم واحد.
فبعد سنوات من الانضباط التنظيمي الظاهري، بدأت ملامح “مرحلة ما بعد أخنوش” تكشف هشاشة التماسك الداخلي للحزب بالمدينة، حيث برز تياران متباينان في الرؤية والمنهج.
التيار الأول، الذي يقوده محمد الحدادي، يرفع شعار “تجفيف منابع الفساد السياسي”، واضعاً نصب عينيه محاربة ما يسميه اقتصاد التزكيات والمال الانتخابي، الذي يرى أنه حوّل العمل الحزبي إلى سوق للمصالح، وأفرغ السياسة من بعدها التمثيلي والتنموي.
في المقابل، يتموقع تيار ثانٍ، يقوده بوسعيد، بمنطق براغماتي يقوم على قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، معتمداً على شبكة تحالفات انتخابية قائمة، ودعم صريح لعمدة العاصمة الاقتصادية وزوجها وبعض نوابها. هذا التوجه، وفق متابعين، يعكس استمرار الأساليب التقليدية في تدبير النفوذ داخل الحزب، ويكرّس ازدواجية واضحة بين خطاب الإصلاح المعلن وممارسات ميدانية لم تقطع مع منطق الريع السياسي.
هذه الانقسامات، التي خرجت إلى العلن لأول مرة بهذا الوضوح، لا تُقرأ فقط كصراع داخلي عابر، بل باعتبارها مؤشراً على أزمة أعمق تطال بنية الحزب بالدار البيضاء، حيث تراكمت أخطاء التدبير السياسي، وتكررت الوجوه نفسها، إلى أن أصبحت، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، جزءاً من أزمة الثقة التي تعيشها التجربة السياسية المحلية.
ويرى محللون أن ما يحدث داخل حزب التجمع الوطني للأحرار يشكل، في الآن ذاته، فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي البيضاوي، وفتح نقاش جدي حول تخليق الحياة الحزبية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالدولة، بحسب هؤلاء، تجد نفسها اليوم أمام لحظة مفصلية يمكن أن تُسهم فيها، عبر احترام القواعد والمؤسسات، في الحد من الممارسات الزبونية التي لطخت العمل السياسي، دون التدخل المباشر في الصراعات التنظيمية.
ويأتي هذا الوضع في وقت يستعد فيه الحزب لعقد مؤتمره الاستثنائي يوم 7 فبراير بمدينة الجديدة، بعد فتح باب الترشح لرئاسة الحزب من 12 إلى 21 يناير، وسط ترقب واسع لما ستسفر عنه لوائح المرشحين، وحجم الاصطفافات الجهوية والتنظيمية التي ستتشكل.
فالمؤتمر المرتقب لن يكون مجرد محطة انتخابية داخلية، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على تدبير الانتقال، وبناء قيادة جماعية قادرة على ملء الفراغ الذي خلفه انسحاب أخنوش.
السؤال الجوهري اليوم لا يتعلق فقط بمن سيقود الحزب، بل بكيفية إدارة مرحلة ما بعد الزعيم: هل سينجح “الأحرار” في استعادة ثقة البيضاويين، وطي صفحة التدبير القائم على الأشخاص؟ أم أن الصراعات الداخلية ستعمق الشرخ، وتضعف الحزب في معقله الانتخابي، فاتحة المجال أمام إعادة رسم الخريطة السياسية للعاصمة الاقتصادية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد