عبد السلام نورينو – الحسيمة
لم يكن اللقاء الذي احتضنه مقر عمالة إقليم الحسيمة، يوم الثلاثاء المنصرم، لقاءً عادياً في رزنامة الاجتماعات الإدارية، ولا محطة بروتوكولية لتبادل المجاملات بين سلطة الوصاية والمجلس الجماعي.
بل شكّل، في عمقه ودلالاته، لحظة مساءلة سياسية وإدارية صريحة، أعادت إلى الواجهة الأسئلة المؤجلة حول الحكامة، والنجاعة، وحدود التدبير المحلي بمدينة يُفترض أن تكون في طليعة المدن المتوسطية: الحسيمة.
اللقاء الذي جمع عامل الإقليم، فؤاد حاجي، برئيس جماعة الحسيمة، نجيب الوزاني، حمل نَفَس المكاشفة أكثر مما حمل لغة التطمين.
والعرض التشخيصي الذي قدّمه المدير العام للمصالح لم يكن تقريراً تقنياً محايداً بقدر ما كان تشريحاً دقيقاً لاختلالات بنيوية تراكمت عبر سنوات، ووضعت المدينة في حالة جمود غير منسجمة مع مؤهلاتها ولا مع حجم الاستثمارات العمومية التي رُصدت لها.
من الماء والتطهير السائل، إلى الإنارة العمومية والنظافة، مروراً بتعثرات التهيئة الحضرية والتعمير، تكشّفت صورة مدينة مثقلة بإكراهات التدبير اليومي، وعاجزة، حتى الآن، عن تحويل البرامج إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
وهي ملفات لم تعد تحتمل منطق الترقيع أو التدبير الموسمي، لأنها تمس مباشرة جودة العيش وجاذبية المدينة واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
في هذا السياق، جاءت كلمة عامل الإقليم حاسمة في نبرتها، واضحة في رسائلها. فالحسيمة، بما تمتلكه من موقع استراتيجي ومؤهلات طبيعية وسياحية، لا يمكن أن تظل رهينة تدبير روتيني يفتقر إلى الجرأة والابتكار.
المسؤولية، كما شدد حاجي، ليست امتيازاً انتخابياً، بل التزام دستوري وأخلاقي يفرض على المنتخبين القطع مع سياسة الانتظارية وربط الفعل بالنتائج.
اللقاء اكتسب أهميته أيضاً من توقيته، فمطالب الساكنة لم تعد تقبل التأجيل، ولم يعد الخطاب التنموي يكفي لتبديد الإحساس بالاختناق، فالمواطن الحسيمي اليوم يطالب بخدمات عمومية فعالة، وبوتيرة إنجاز توازي حجم الوعود التي قُدمت في أكثر من مناسبة.
النقاش الذي شمل كذلك قطاعات الصحة، والرياضة، والثقافة، كشف الحاجة الماسة إلى تنسيق حقيقي بين مختلف المتدخلين، بدل استمرار تشتت القرار وتنازع الاختصاصات.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن هذا اللقاء يؤشر لتحول في منهجية التعاطي مع تدبير المدينة، عبر تكريس مقاربة تقوم على التشخيص الصريح والمحاسبة الضمنية، وتجعل من النجاعة المعيار الأساسي للحكم على الأداء.
غير أن الرهان الحقيقي يظل معلقاً على ما بعد الاجتماع: هل سينجح المجلس الجماعي في تحويل هذا الدعم المؤسساتي إلى قرارات جريئة وإنجازات ملموسة؟ أم أن الاختلالات البنيوية ستظل أقوى من إرادة الإصلاح؟
الحسيمة اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط للمجلس الجماعي، بل لمنظومة التدبير المحلي برمتها، والمرحلة المقبلة ستكشف إن كان هذا اللقاء بداية تصحيح للمسار، أم مجرد محطة أخرى في سجل التشخيصات المؤجلة.
تعليقات الزوار