اليحياوي: الإفطار العلني ليس حرية بل استعراض بلا معنى

هبة زووم – الرباط
على طريقته المعهودة، يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي خط تدويناته النقدية التي لا تُجامل أحداً ولا تضع “الواقع” تحت مساحيق التجميل.
هذه المرة، اختار التفاعل مع ظاهرة تتجدد مع كل شهر رمضان: الدعوة إلى الإفطار العلني، وما يرافقها من ضجيج إعلامي وادعاءات باسم “الحرية الفردية”.
ينطلق اليحياوي من ملاحظة عميقة الجذور في المجتمع المغربي: قد يكون المغربي تاركاً للصلاة، وقد يكون مدمناً على الخمر، لا يتصدق ولا يصل الأرحام، ومع ذلك نادراً ما يجادل في قدسية شهر رمضان أو في رمزية الصيام، فالصيام، في المخيال الجماعي، ليس مجرد فرض تعبدي، بل منظومة قيم راسخة تتجاوز الفقه إلى الهوية.
ويثير الباحث مفارقة لافتة حين يشير إلى أن كثيرين يصومون رغم المنع الطبي الصريح، ورغم التحذير من مخاطر صحية قد تصل إلى الموت.
بل إن حالات وفاة سُجلت لأشخاص تشبثوا بالصيام وهم يدركون أنهم يغامرون بحياتهم، هنا، لا يتعلق الأمر بجهل ديني أو طبي، بل بقناعة رمزية تجعل الصيام قيمة أخلاقية قبل أن يكون التزاماً شرعياً.
في استحضار شخصي دال، يستعيد اليحياوي تجربة مرض والده، الذي كان يتناول أدوية متعددة خلال النهار، ومع حلول رمضان، كانت الأسرة تتكتم على دخول الشهر، خشية أن يمتنع الأب عن الدواء بدافع الصيام.
كان التحايل، كما يصفه، بدافع الخوف والحب، لا بدافع الخداع، واقعة تكشف كيف يتحول الصيام، لدى فئات واسعة، إلى التزام صارم يتجاوز منطق الرخص الشرعية.
لكن اليحياوي، بعيداً عن أي خطاب وعظي، يحسم الموقف بوضوح: من لا يريد الصيام، فله ألا يصوم، لم يُكره أحد، ولم تُرفع عصا، ولم تُفتح محاكم، فالدين، في جوهره، اختيار، ورب العالمين غني عن صيام الناس وإفطارهم معاً.
غير أن الإشكال، كما يراه، لا يكمن في الإفطار، بل في تحويله إلى استعراض، إعلان الإفطار أمام الملأ، والتفاخر بعدم الاكتراث برمضان، لا يدخل في باب الحرية الشخصية، بل في باب الاستفزاز المجاني، هو موقف لا يعني المجتمع في شيء، لأنه شأن فردي صرف، لكنه أيضاً لا يُلزم المجتمع بالتصفيق له أو اعتباره “شجاعة فكرية”.
في عمق هذا الطرح، يوجّه اليحياوي نقداً ضمنياً لنقاش موسمي عقيم، يُختزل فيه رمضان في معركة شعارات، بدل التعامل معه كحقيقة اجتماعية وثقافية مركبة، فالمغاربة، كما يوحي النص، لا يرفضون الاختلاف، لكنهم يرفضون تحويله إلى فعل استعلائي أو تحدٍّ رمزي لقيم جماعية راسخة.
رمضان، في النهاية، ليس ساحة صراع أيديولوجي، ولا اختباراً للحداثة، بل عقداً اجتماعياً غير مكتوب، يقوم على حد أدنى من الاحترام المتبادل: من صام فذلك خياره، ومن أفطر فذلك شأنه، أما الاستفزاز، فلا يضيف شيئاً للحرية، بل يفرغها من معناها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد