هبة زووم – برشيد
كلام ثقيل، لكنه في نفس الوقت صحيح ومؤلم لكل الناس الذين يحملون درجة عالية من الوعي، الذين يحملون قيم الإنسانية، بل والقيم الإسلامية، والذين يحسون بمعاناة شريحة واسعة من الشعب المغربي.
في برشيد، لم تعد الحكاية تُروى في الأروقة الرسمية، بل في فضاء عام يتساءل فيه المواطنون عن الفارق الحقيقي بين الوعود والإنجازات، وبين الخطابات المنمقة والواقع الميداني.
في كل موسم انتخابي، تظهر في الغابة السياسية فئة خاصة من الكائنات، لا تنتمي لا إلى الذئاب ولا إلى النعاج، بل إلى ما يمكن تسميته، بكل محبة ساخرة “عشاق الزرقاف”.
هؤلاء لا يهمهم إن كان الذئب مفترساً أو نباتياً، المهم أن يكون الخطاب مقنعاً والصورة نقية والوعود مغلفة بعناية، بمعنى آخر، لا يهم إن أُكِل القطيع المهم أن يكون ذلك بأسلوب أنيق.
هذه الظاهرة، التي يلاحظها متتبعون للشأن المحلي ببرشيد، تطرح سؤالاً جوهرياً حول مصداقية الممارسة السياسية والتدبير الترابي: هل نريد مسؤولين يكتفون بالخيال السياسي المتقدم، أم نريد من يُترجم الوعود إلى مشاريع ملموسة يلمسها المواطن في حياته اليومية؟
خطابات المرآة ووعود لا تُلمس
يجتمع القطيع حول صخرة عالية، ليس حباً في المنظر، بل لأن هناك خطاباً على وشك أن يُلقى، والخطابات في الغابة، كما في غيرها، لا تُفوّت.
يظهر المسؤول، معدّلاً وقفته، ناعماً في نبرته، وقد تدرّب جيداً أمام المرآة على الابتسام، دون أن تظهر الأنياب، ثم يقول عباراته التي ستُدرّس لاحقاً في مادة الوعود المؤجلة.
غير أن المواطن لم يعد يكتفي بجمال الخطاب، بل أصبح ينتظر دليلاً ملموساً على حسن النية، فكم من مشروع أُعلن عنه بحماس، وكم من وعد قُطع بيقين، ثم تبخر مع أول رياح التغيير؟ وكم من مواطن انتظر فرجة التنمية، فإذا به يجد نفسه ينتظر من جديد، في دوامة لا تنتهي من الترقب والإحباط؟
الرشوة والفساد.. بين التعريف والواقع
بالرغم من أن هناك اختلافاً كبيراً في تعريف الرشوة بشكل دقيق، فإن الثابت هو أن كل التعريفات تشترك في مفهوم واحد، وهو أن الرشوة نوع من أنواع الفساد، وواحدة من بين أخطر الآفات القديمة التي يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات.
وهي تقوم على دفع مبلغ من المال لموظف قصد الحصول على خدمة ليس للشخص الحق فيها، أو بهدف التهرب من واجب يفترض فيه القيام به مثله مثل كافة المواطنين.
وفي هذا السياق، تثير بعض الممارسات الملاحظة محلياً تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز آليات الشفافية ومحاربة أي شكل من أشكال استغلال النفوذ.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب بيئة تدبيرية نظيفة، تضمن تكافؤ الفرص، وتحول دون تحويل المنصب العام إلى وسيلة للكسب غير المشروع.
صورة متشظية وواقع يحتاج إلى وضوح
هناك، عند حافة الرؤية، لا تظهر الأشياء كما نعتقد، بل كما تخبئ نفسها، صورة مبكسلة تتنفس في صمت، لا تُفصح عن ملامحها كاملة، ولا تسمح لك بأن تمسك بها دفعة واحدة.
ليست مجرد انعكاس عابر، بل عالم متشظٍ من مربعات الضوء والظل، كل مربع فيه يحمل ذاكرة، وكل فراغ بينه يخفي سرًا لم يُؤذن له بعد بالخروج.
هكذا يبدو تدبير الشأن المحلي في برشيد، حسب بعض المتتبعين: صورة تحتاج إلى تجميع، ووضوح يحتاج إلى جرأة، وثقة تحتاج إلى أفعال لا أقوال.
فالمواطن الذي يقترب من هذه الصورة، يشعر أن شيئاً داخله يُستدعى لفك ألغاز التدبير، وفهم خبايا القرارات، والمشاركة في بناء مستقبل أفضل لإقليمه.
ما ننتظره: من الوهم إلى الواقع
لم يعد مقبولاً أن تُترك برشيد رهينة الخطابات المرآتية والوعود المؤجلة، فما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن المحلي اليوم هو: خطة تدبير شفافة تُترجم الوعود إلى مشاريع ملموسة، بجداول زمنية واضحة ومسؤولين محددين، آليات محاسبة صارمة ضد أي شكل من أشكال الفساد أو استغلال النفوذ، بغض النظر عن المنصب.
تواصل مؤسساتي واضح يزيل الغموض ويقدم للمواطن صورة كاملة عن واقع الإقليم وتحدياته، إشراك فعلي للمجتمع المدني في مراقبة التدبير المحلي، لضمان أن صوت المواطن يصل إلى صناع القرار، مع نشر تقارير دورية حول نسبة إنجاز المشاريع وجودة الخدمات، لضمان حق المواطن في المتابعة والمحاسبة.
الوعي ليس ترفاً والمسؤولية ليست خطاباً
ما تعيشه برشيد مع ملف التدبير الترابي ليس اختلافاً في وجهات النظر، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية المسؤولين وقدرة سلطات الوصاية على تجاوز عقلية الوهم لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول الوعود من كلمات في خطاب إلى إنجازات على الأرض، مع إرادة حقيقية ومحاربة فعلية للفساد، وإما أن تستمر سياسة القطيع التي تهدر ثقة المواطنين في قدرة مؤسساتهم على تنمية إقليمهم.
سكان برشيد ينتظرون، والوعي ليس شعاراً في خطاب، والمواطن ليس رقماً في إحصائية، والإقليم ليس مسرحاً للخطابات والجميع يستحق مسؤولين يُكرمون كرامتهم بأفعال ملموسة لا بوعود مؤجلة.
تعليقات الزوار