خطاب بنكيران بين الذاكرة السياسية ورهانات الاستحقاق: قراءة في حدود الوعود الانتخابية بالمغرب

ذ.اسليماني مولاي عبد الله

ذ.اسليماني مولاي عبد الله
في سياق سياسي يتسم بتجدد الخطاب الانتخابي وعودة بعض الوجوه إلى واجهة النقاش العمومي، يثير تصريح عبد الإله بنكيران حول إلغاء الساعة الإضافية وتسقيف سن التوظيف نقاشا واسعا يتجاوز مضمون الوعد في حد ذاته، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي في لحظات ما قبل الاستحقاقات، وحدود المصداقية في ظل ذاكرة جماعية لا تنسى بسهولة.
فالأمر لا يتعلق فقط بوعدين بسيطين في ظاهرهما، بل بخطاب يعكس تحولا في تموقع سياسي، ومحاولة لإعادة صياغة العلاقة مع الرأي العام بعد تجربة حكومية طويلة قادها حزب العدالة والتنمية.
إن أول ما يستوقف في هذا الخطاب هو اعتماده على قضايا ذات حساسية اجتماعية عالية، حيث تحولت الساعة الإضافية إلى موضوع جدل مجتمعي منذ اعتمادها، لما لها من تأثير مباشر على نمط عيش الأسر المغربية، خاصة في ما يتعلق بالتمدرس وساعات العمل.
كما أن مسألة تسقيف سن التوظيف ترتبط بإحساس متزايد لدى فئات واسعة من الشباب بالإقصاء من فرص الشغل في القطاع العمومي. غير أن استدعاء هذه القضايا في هذا التوقيت يطرح تساؤلا جوهريا حول مدى ارتباطها برؤية إصلاحية متكاملة، أو كونها مجرد أدوات لاستعادة التعاطف الشعبي في ظرف سياسي معين.
من زاوية التحليل الاقتصادي، يمكن اعتبار هذا الخطاب امتدادا لما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بنظرية “الاختيار العمومي”، التي تفترض أن الفاعلين السياسيين يسعون إلى تعظيم فرصهم الانتخابية عبر تبني قرارات أو وعود ذات جاذبية شعبية، حتى وإن كانت كلفتها الاقتصادية أو المؤسساتية غير واضحة.
فالساعة القانونية، على سبيل المثال، ليست مجرد قرار إداري بسيط، بل ترتبط بمنظومة اقتصادية تشمل الإنتاجية، والتعاملات الدولية، وتنظيم الزمن الاجتماعي. كما أن مسألة سن التوظيف تخضع لمعادلات معقدة تتعلق بتوازنات سوق الشغل، والموارد البشرية للدولة، والعدالة بين الأجيال.
أما من الناحية القانونية، فإن هذه الوعود تطرح إشكالية العلاقة بين الخطاب السياسي والإطار التشريعي والتنظيمي. فالساعة القانونية بالمغرب تخضع لمراسيم تنظيمية، ويمكن تعديلها بقرار حكومي، لكن ذلك يتطلب دراسة شاملة للأثر الاقتصادي والاجتماعي.
في حين أن تحديد سن التوظيف في الوظيفة العمومية يخضع لنصوص قانونية وتنظيمية مرتبطة بمنظومة الوظيفة العمومية، مما يجعل أي تعديل في هذا المجال رهينا بإصلاح مؤسساتي أوسع، وليس مجرد قرار ظرفي، وهنا يظهر الفرق بين الوعد السياسي القابل للتداول إعلاميا، والقرار العمومي الذي يقتضي مسطرة قانونية ومؤسساتية دقيقة.
وعلى المستوى الاجتماعي، يعكس هذا الخطاب محاولة للتماهي مع انتظارات فئات متضررة أو متذمرة، غير أن هذا التماهي يصطدم بواقع التجربة الحكومية السابقة، حيث كان الحزب في موقع القرار ولم يترجم هذه المطالب إلى سياسات فعلية.
وهو ما يفتح النقاش حول مفهوم “الذاكرة السياسية” لدى الناخب، ومدى قدرته على الربط بين الخطاب الحالي والممارسة السابقة. فالمجتمع لم يعد يتفاعل فقط مع الوعود، بل يقارنها بالحصيلة، ويقيمها في ضوء التجربة.
كما أن هذا التصريح يعكس تحولا في طبيعة الخطاب السياسي من خطاب تبريري يدافع عن حصيلة حكومية، إلى خطاب نقدي ضمني يسعى إلى تجاوز تلك المرحلة.
غير أن هذا التحول، بدل أن يعزز الثقة، قد يطرح تساؤلات حول مدى وضوح الموقف السياسي، خاصة عندما لا يكون مصحوبا بمراجعة صريحة أو تقييم موضوعي للتجربة السابقة، فالمصداقية السياسية لا تبنى فقط على الوعود الجديدة، بل على القدرة على الاعتراف بالأخطاء وتقديم بدائل واقعية.
وفي هذا الإطار، يمكن استحضار بعض القرارات الكبرى التي طبعت التجربة الحكومية السابقة، والتي كان لها أثر مباشر على الوضع الاجتماعي، مثل إصلاح أنظمة التقاعد، ورفع الدعم عن المحروقات، واعتماد نظام التعاقد في قطاع التعليم.
وهي ملفات لا تزال حاضرة في الوعي الجماعي، وتشكل جزءا من تقييم الرأي العام لأي خطاب جديد يصدر عن نفس الفاعل السياسي. ومن ثم، فإن أي محاولة لاستعادة الثقة دون معالجة هذا الإرث تبدو محدودة الأثر.
إن الخطاب السياسي، في نهاية المطاف، لا يقاس فقط بقدرته على إثارة الانتباه، بل بمدى انسجامه مع الواقع، وقدرته على تقديم حلول قابلة للتنفيذ، واحترامه لذكاء الناخب.
وفي حالة هذا التصريح، يبدو أن الرهان لا يزال قائما على استعادة التعاطف من خلال وعود ذات طابع اجتماعي، غير أن هذا الرهان يواجه تحديا أساسيا يتمثل في تآكل الثقة، وارتفاع مستوى الوعي لدى الناخبين، الذين أصبحوا أكثر ميلا إلى تقييم الخطاب في ضوء التجربة، وليس فقط في ضوء النوايا المعلنة.
إن خطاب عبد الإله بنكيران يعكس لحظة سياسية مركبة، تتقاطع فيها الرغبة في العودة إلى الواجهة مع ضرورة مواجهة إرث حكومي ثقيل.
وهو خطاب يسلط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الممارسة السياسية في المغرب، وحدود الوعود الانتخابية في ظل ذاكرة جماعية يقظة، وسياق سياسي يتطلب أكثر من مجرد شعارات، بل رؤية متكاملة قادرة على إقناع المواطن واستعادة ثقته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد