إ.ت- شفشاون
في مشهد فوضوي يعكس غياب التنسيق والتنظيم، أصبح مقطع الفيديو الذي صوره سائح أجنبي في مدينة شفشاون واحدًا من أكثر الفيديوهات التي أثارت الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، ليعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إحراجًا للمدن السياحية المغربية: الفوضى في تدبير الفضاء العام.
الفيديو الذي انتشر بسرعة في الفضاء الإلكتروني، يظهر محاولة ركن سائح أجنبي لسيارته في أحد شوارع المدينة، لكن ما بدأ كموقف عادي، تحول إلى لحظة توتر وارتباك عندما فوجئ السائح بمجموعات من الأشخاص يرتدون “الجيليات الصفراء” يطالبونه بدفع مقابل مالي غير قانوني.
هذا المشهد يعكس اختلالات أعمق من مجرد حادثة معزولة، حيث يسلط الضوء على غياب الرقابة والتنظيم في فضاءات حيوية داخل المدينة.
ما يظهر في الفيديو ليس مجرد “تصرف فردي”، بل جزءًا من ظاهرة أوسع تتعلق بغياب أي تنظيم فعلي لمواقف السيارات، وتواجد أشخاص لا يحملون أي صفة قانونية ويستغلون الفضاء العام للابتزاز، إضافة إلى استفحال ظاهرة التسول في الشوارع بشكل يزعج المواطنين والزوار على حد سواء.
مع غياب أي تنسيق بين الجهات المعنية، يصبح الوضع أكثر تعقيدًا، ليحمل في طياته تدهورًا في الوضع الأمني والاجتماعي في مدينة كانت تُعتبر نموذجًا للجاذبية السياحية في المغرب.
الواقع الأكثر إزعاجًا أن هذه الممارسات لا تؤثر فقط على السكان المحليين، بل تضر بشكل مباشر بصورة المدينة في نظر الزوار والسياح الأجانب.
فالسائح الذي يزور شفشاون ليست لديه صورة عن المدينة سوى ما يعايشه خلال إقامته، وعندما يتحول ركن السيارة إلى تجربة مزعجة، فإن ذلك يخلق انطباعًا سلبيًا قد يعكر الصورة الجميلة التي تُسوَّق لها المدينة.
أحد الأبعاد التي تثير القلق هو ظاهرة “الجيليات الصفراء”، حيث يقتحم هؤلاء الأشخاص الفضاء العام دون أي صفة قانونية أو تنظيمية واضحة، ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: من يمنح هؤلاء حق استغلال الفضاء العام؟ وأين هي الجهات المسؤولة عن تنظيم هذا النشاط؟ عدم وجود قوانين واضحة يحفز على التسيب ويفتح المجال للابتزاز، ما يضعف ثقة المواطنين والزوار في السلطات المحلية.
المشاكل لا تتوقف عند المواقف العشوائية أو “الجيليات الصفراء”، بل تشمل أيضًا تفشي ظاهرة التسول التي تزداد حدتها، إضافة إلى انتشار بعض الممارسات غير القانونية مثل ترويج المخدرات الخفيفة لبعض السياح.
هذه الظواهر إن صحت، تعكس هشاشة المراقبة وتراخي تطبيق القانون، ما يشوه سمعة المدينة ويؤثر على الأجواء العامة التي يفترض أن تكون مشجعة للسياحة.
مدينة شفشاون، المعروفة بمؤهلاتها الطبيعية وسحرها السياحي، تجد نفسها اليوم مهددة بتشويه صورتها بسبب اختلالات في التدبير يمكن معالجتها بقرارات حازمة وتدخل ميداني فعال، والمشكلة ليست في نقص الإمكانيات أو الموارد، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيق القانون وتنظيم الفضاء العام.
في خطوة إيجابية، تحركت عناصر الشرطة في مدينة شفشاون مساء يوم الإثنين 4 مايو 2026، وتمكنت من توقيف أربعة أشخاص يشتبه في تورطهم في ابتزاز سائح أجنبي والتحريض على استهلاك المخدرات، وهي الأفعال التي تم توثيقها في الفيديو الذي انتشر على منصات التواصل الاجتماعي.
هذا التدخل يُعد خطوة أولى نحو معالجة الظاهرة، ولكن يبقى التساؤل: هل سيكون هذا التدخل كافيًا لوقف الفوضى، أم أن المشكلة تتطلب حلولا طويلة الأمد؟
في النهاية، لا يمكن لمدينة أن تراهن على السياحة وهي عاجزة عن تنظيم أبسط تفاصيلها اليومية. الجاذبية السياحية لا تُبنى فقط على جمال الطبيعة، بل على جودة التجربة التي يحصل عليها الزوار.
وبين الصورة التي تُسوَّق، والواقع الذي يعيشه الزائر، تبقى المسافة خطيرة إن لم يتم تداركها بسرعة. شفشاون بحاجة إلى إصلاح جذري في طرق تدبير الفضاء العام وضمان تطبيق القانون، لأن السياحة لا يمكن أن تزدهر في بيئة من الفوضى.
تعليقات الزوار