دعم “جمعية مجهولة” يضع مجلس تطوان في قلب عاصفة سياسية

هبة زووم – حسن لعشير
فجّر عادل بنونة موجة جديدة من الجدل داخل مدينة تطوان، بعدما وجه انتقادات حادة لقرار مجلس الجماعة الذي يرأسه مصطفى البكوري، والمتعلق بالمصادقة خلال دورة ماي 2026 على منح دعم مالي ضخم يقارب 200 مليون سنتيم لفائدة جمعية تنشط، وفق توصيفه، “نظرياً” في المجال الثقافي تحت اسم “المسرح الافتراضي”.
القرار، الذي مرّ داخل أجواء أثارت الكثير من علامات الاستفهام، أعاد إلى الواجهة النقاش حول الطريقة التي تُدبر بها أموال الدعم العمومي داخل الجماعة، خاصة في ظل تساؤلات متزايدة حول معايير الاستفادة، ومدى احترام مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص بين الجمعيات والفاعلين الثقافيين الحقيقيين بالمدينة.
وبحسب ما أورده بنونة في تدوينته، فإن الحقل الثقافي المحلي لا يعرف لهذه الجمعية حضوراً فعلياً أو إشعاعاً ميدانياً يبرر تخصيص هذا المبلغ الكبير دفعة واحدة، ما جعل عدداً من المتتبعين يعتبرون الأمر مؤشراً مقلقاً على استمرار منطق الريع الجمعوي وتوظيف المال العمومي خارج منطق الاستحقاق والنجاعة.
الأكثر إثارة في الملف، أن جماعة تطوان سبق أن صادقت، نهاية السنة الماضية، على دفتر تحملات يُفترض أنه يحدد بدقة شروط وآليات توزيع الدعم العمومي وفق مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن ما وقع في دورة ماي، وفق منتقدي القرار، كشف عن فجوة واضحة بين النصوص التنظيمية والممارسة الفعلية داخل المجلس.
ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن القضية تتجاوز مجرد دعم جمعية بعينها، لتطرح إشكالاً أعمق يتعلق بكيفية تدبير المال العام المحلي، في ظل وضعية مالية معقدة تعيشها الجماعة، ووجود أولويات اجتماعية وتنموية وثقافية أكثر إلحاحاً من ضخ مبالغ ضخمة في مشاريع لا يعرف الرأي العام المحلي أثرها الحقيقي ولا مردوديتها.
كما يرى منتقدو القرار أن الدعم العمومي، الذي يفترض أن يكون آلية لدعم الإبداع الثقافي وتشجيع المبادرات الجادة، تحول في بعض الحالات إلى وسيلة لإعادة إنتاج شبكات النفوذ السياسي وصناعة الولاءات الانتخابية، وهو ما يضرب في العمق مبدأ العدالة الثقافية وتكافؤ الفرص بين مختلف الجمعيات.
وفي هذا السياق، عاد النقاش بقوة حول مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات رقم 113.14، الذي ينص بشكل واضح على ضرورة تدبير الشأن المحلي وفق مبادئ الشفافية والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع إخضاع الدعم العمومي لمنطق التقييم والتتبع والمراقبة، وليس لمنطق القرار السياسي الضيق.
كما أن اتفاقيات الشراكة والدعم، وفق عدد من الفاعلين الجمعويين، يفترض أن ترتبط بمشاريع واضحة الأهداف وقابلة للتقييم، مع مؤشرات دقيقة تقيس الأثر الثقافي والاجتماعي، وليس بمنطق “المنح الاستثنائية” التي تثير الشكوك وتغذي فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وفي ظل تصاعد الجدل، تتزايد الدعوات المطالبة بتدخل الجهات الوصية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، من أجل فتح تحقيق إداري ومالي حول طرق توزيع الدعم العمومي داخل جماعة تطوان، والتدقيق في مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا الملف.
لأن القضية، في النهاية، لا تتعلق فقط بجمعية أو بمبلغ مالي، بل بسؤال أكبر يتعلق بكيفية تدبير المال العام المحلي، وبمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على القطع مع ثقافة الريع والمحسوبية، وتحويل الدعم العمومي إلى رافعة حقيقية للتنمية الثقافية، بدل أن يبقى أداة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي وتوزيع الامتيازات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد