هبة زووم – الرباط
أثار الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري جدلاً واسعاً بعد تدوينة نارية انتقد فيها بقوة واقع التعليم والثقافة بالمغرب، معتبراً أن التصريحات الأخيرة لوزير التربية الوطنية محمد سعد برادة، والتي تحولت إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ليست مجرد “زلة لسان” أو “هفوة تواصلية”، بل تكشف ما وصفه بـ”أزمة دولة” في طريقة تدبير قطاع حيوي يشكل أساس نهضة المجتمعات.
الكنبوري اعتبر أن ما وقع تحت قبة البرلمان “فضيحة قطاع بكامله”، وليس فقط خطأ شخصياً لوزير وجد نفسه في موقع لا ينسجم مع طبيعة المسؤولية التي يتحملها.
وذهب أبعد من ذلك حين انتقد طريقة إسناد وزارة التعليم إلى شخصيات لا تمتلك، حسب تعبيره، الخلفية الفكرية والثقافية التي تؤهلها لتدبير ملف يرتبط ببناء الإنسان وصناعة الوعي الجماعي.
وفي قراءة حادة لطبيعة المنصب، شدد الباحث على أن وزير التعليم في الدول المتقدمة يكون عادة من “أهل الفكر والثقافة”، ومنخرطاً في النقاش العمومي والإنتاج المعرفي، لا مجرد مسؤول تقني أو رجل أعمال، فالتعليم، بحسبه، ليس مجرد قطاع إداري، بل مشروع حضاري يحتاج إلى رؤية فكرية وقدرة على الحوار مع المثقفين ورجال التربية والسياسة.
وانتقد الكنبوري ما اعتبره “مفارقة مغربية غريبة”، تتمثل في التعامل مع وزارتي الداخلية والأوقاف باعتبارهما “وزارتي سيادة”، تُحاطان بحساسية خاصة وتُسندان إلى شخصيات تحظى بثقة الدولة، مقابل ترك وزارتي التعليم والثقافة للأحزاب السياسية “لتتلاعب بهما”، على حد تعبيره.
وأضاف أن الدولة تبدو حريصة على حماية “أمنها البوليسي والروحي”، لكنها لا تبدي نفس الحرص تجاه التعليم والثقافة، رغم أنهما يشكلان، وفق رأيه، العمود الفقري لأي مشروع مجتمعي حقيقي.
ولذلك، يلاحظ استقرار وزراء الداخلية والأوقاف في مناصبهم لسنوات طويلة، مقابل التغيير المستمر في وزارتي التعليم والثقافة، وكأن الأمر يتعلق بقطاعات ثانوية لا بأدوات صناعة المستقبل.
ولم يتوقف الكنبوري عند حدود التعليم فقط، بل وسّع دائرة الانتقاد لتشمل القطاع الثقافي، مهاجماً الطريقة التي يُدار بها المشهد الثقافي بالمغرب، ومعتبراً أن الثقافة تحولت إلى مشاريع مناسباتية واستعراضية تفتقد للعمق الفكري الحقيقي.
وفي هذا السياق، انتقد نقل المعرض الدولي للنشر والكتاب من مدينة الدار البيضاء إلى الرباط، معتبراً أن الأمر جرى بمنطق “الاستثمار السياسي والشخصي” أكثر من كونه مشروعاً ثقافياً وطنياً، مضيفاً أن المعرض، بصيغته الحالية، “لم تعد له علاقة حقيقية بالكتاب والثقافة”.
واعتبر الباحث أن المغرب يعيش مفارقة أخرى أكثر عمقاً، تتمثل في تحقيق تطور هائل في البنيات التحتية والطرق والمشاريع العمرانية، مقابل تراجع واضح في منسوب الفكر والثقافة والنقاش العمومي الجاد.
وقال إن البلاد، في فترات سابقة كانت فيها الإمكانيات المادية محدودة، كانت تزخر بمثقفين كبار وأحزاب تحمل مشاريع مجتمعية واضحة، بينما “اختفى كل شيء اليوم خلف الإسمنت”، وفق تعبيره.
وتأتي تدوينة الكنبوري في سياق تصاعد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بخصوص تدبير قطاعي التعليم والثقافة، خاصة بعد الجدل الذي أثارته تصريحات الوزير برادة داخل البرلمان، والتي اعتبرها كثيرون دليلاً على أزمة تواصل ورؤية داخل قطاع يعيش أصلاً على وقع اختلالات متراكمة، تمتد من ضعف جودة التعلمات إلى تراجع الثقة في المدرسة العمومية.
ويرى متابعون أن الجدل الذي فجرته هذه التدوينة يتجاوز الأشخاص والأسماء، ليطرح سؤالاً أعمق حول موقع التعليم والثقافة داخل أولويات الدولة، وحول ما إذا كانت التنمية يمكن أن تُقاس فقط بعدد الطرق والقناطر والمشاريع الإسمنتية، أم أنها تبدأ أساساً من بناء الإنسان وتأهيل وعيه ومعرفته.
تعليقات الزوار