الكنبوري يهاجم “القراءة الجديدة للقرآن” ويضع أسماء المرابط في مرمى نيران نقده اللاذع

هبة زووم – الرباط
في تدوينة مثيرة وغير مسبوقة، فجّر الباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري جدلاً واسعاً بعد هجومه الحاد على ما يُعرف بـ”القراءات الجديدة للقرآن”، موجهاً سهام نقده بشكل مباشر إلى أسماء المرابط على خلفية تقديمها لكتابها الجديد الموسوم بـ”أخلاق القرآن المنسية” خلال فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب.
الكنبوري، الذي اختار لغة ساخرة وصادمة، اعتبر أن ما يقدمه بعض رموز هذا التيار لا يعدو كونه “ضجيجاً فكرياً” يفتقد، حسب تعبيره، للعمق العلمي والمعرفة الحقيقية بالتراث الإسلامي، قائلاً إنهم “يحركون الطاحونة ويحدثون صخباً من بعيد، لكن حين تقترب تكتشف أنهم لا يطحنون سوى الوهم”.
ولم يتوقف الباحث المغربي عند حدود النقد الفكري، بل ذهب أبعد من ذلك حين اتهم أصحاب هذه القراءات بالسعي إلى “إعادة اكتشاف الإسلام” وكأن تاريخ الأمة الممتد لقرون كان خالياً من الاجتهادات الفكرية والأخلاقية.
وسخر الكنبوري من عنوان كتاب المرابط، معتبراً أن الحديث عن “أخلاق قرآنية منسية” يوحي وكأن المسلمين، منذ عهد النبوة إلى اليوم، عاشوا خارج منظومة القيم التي جاء بها القرآن.
وفي قراءة شديدة الحدّة، اعتبر الكنبوري أن المفاهيم التي قدمتها المرابط باعتبارها أسساً لـ”القراءة الأخلاقية للقرآن”، مثل التوحيد والعقل والعدل والرحمة والعمل الصالح، ليست اكتشافاً جديداً، بل شكلت جوهر الفكر الإسلامي منذ القرون الأولى، سواء عند المعتزلة أو المتصوفة أو علماء الكلام أو الفلاسفة المسلمين.
اللافت في تدوينة الكنبوري ليس فقط حدتها، بل أيضاً اتهامه المباشر لهذا التيار بإعادة تدوير أفكار قديمة في قالب جديد بهدف إثارة الانتباه الإعلامي وصناعة “بطولة فكرية” وهمية.
واعتبر أن هؤلاء “يبحثون عن لعب دور كريستوفر كولومبوس الإسلام”، عبر تقديم أنفسهم كمكتشفين لقارة فكرية مجهولة، رغم أن التراث الإسلامي – حسب رأيه – ناقش هذه القضايا منذ قرون طويلة.
كما لم يُخف الكنبوري موقفه من المرجعيات الفكرية التي يستند إليها هذا التيار، حين ربطها مباشرة بأفكار محمد شحرور، واصفاً إياه بـ”كبيرهم الذي علمهم السحر”، في تعبير يحمل الكثير من الشحنة الأيديولوجية والرفض الصريح لهذا المنحى الفكري.
غير أن أخطر ما ورد في تدوينة الكنبوري لم يكن فقط سجاله مع “القراءة الجديدة”، بل انتقاله إلى نقد غير مباشر لطبيعة الخطاب الديني والسياسي الرسمي بالمغرب.
إذ اعتبر أن “الأخلاق المنسية الحقيقية” ليست تلك المرتبطة بالمفاهيم الفردية، بل أخلاق الحكم والمسؤولية والنزاهة ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، وجه الباحث انتقاداً مبطناً لما وصفه بـ”الهروب الجماعي من مواجهة السلطة”، معتبراً أن كثيراً ممن يقدمون أنفسهم كمفكرين أو باحثين يتجنبون الخوض في قضايا الفساد السياسي والمالي، ويفضلون توجيه الخطاب نحو المواطن البسيط بدل مساءلة المسؤولين الحقيقيين عن الاختلالات.
كما استحضر الكنبوري خطب الجمعة، معتبراً أنها تحولت، عبر عقود، إلى خطاب يحمّل المواطن مسؤولية الفساد والانحراف، بينما يتم تجنب الحديث عن مسؤولية صناع القرار، مضيفاً أن “خطبة واحدة في المسؤولين قد تغيّر الواقع أكثر من مليون خطبة موجهة للعامة”.
وتعيد تدوينة الكنبوري إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول حدود التجديد في الفكر الإسلامي، والعلاقة المعقدة بين القراءات الحداثية للنص الديني وبين المرجعية التراثية التقليدية.
كما تكشف حجم الاستقطاب المتزايد داخل الحقل الفكري المغربي بين تيارات تعتبر التجديد ضرورة تاريخية، وأخرى ترى فيه مجرد محاولة لإعادة إنتاج أفكار غربية بلبوس إسلامي.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه السجالات: هل يعيش الفكر الديني العربي أزمة تجديد حقيقية، أم أن المعركة تحولت إلى صراع رمزي بين نخب فكرية تتنازع حق احتكار تفسير الدين وتوجيه الوعي المجتمعي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد