هبة زووم – حسن لعشير
تستعد مدينة تطوان لاحتضان الدورة الرابعة عشرة من مهرجان “أصوات نسائية”، المقرر تنظيمه من 12 إلى 15 غشت الجاري، في وقت تعيش فيه منطقة الشمال على وقع تداعيات مأساة إنسانية ما تزال تفاصيلها وأعداد ضحاياها تثير الصدمة والأسى.
وبينما تستعد المنصات لاستقبال الفنانين، وتتهيأ الساحات لعروض موسيقية واحتفالات صيفية، يطرح الشارع التطواني سؤالاً أكثر إيلاماً: هل كان من الحكمة أن تُرفع أصوات الموسيقى في مدينة تعيش محيطها على وقع فاجعة فقدان شباب وأبناء اختاروا البحر طريقاً نحو المجهول؟
لا يتعلق الأمر هنا بموقف من الفن أو الثقافة، ولا باعتراض على حق المواطنين في الترفيه والاستمتاع بالموسيقى، لكن التوقيت هو الذي يفرض نفسه بقوة.
فحين تكون المنطقة القريبة من تطوان والفنيدق وسبتة ما تزال تحت وقع فاجعة إنسانية، وحين لا تزال عائلات تبحث عن أخبار أبنائها ومصير المفقودين، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى ملاءمة تنظيم سهرات واحتفالات صاخبة في هذا الظرف بالذات.
فالمهرجان قد يكون مناسبة للفرح في الظروف العادية، لكن الظروف الاستثنائية تفرض على المؤسسات العمومية أن تمتلك حساً سياسياً وإنسانياً يتجاوز الحسابات البروتوكولية والبرامج الموسمية.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن المهرجان يحمل اسم “أصوات نسائية”، في الوقت الذي تعيش فيه أمهات ونساء شماليات مأساة البحث عن أبنائهن أو دفن فلذات أكبادهن.
فأي أصوات ينبغي أن تسمع اليوم؟ هل هي أصوات المنصات الموسيقية فقط، أم أيضاً أصوات الأمهات اللواتي ينتظرن خبراً عن أبنائهن، وأصوات العائلات التي تعيش تحت وطأة الفقد والانتظار؟ أليس من حق هؤلاء النساء أن يكون لصوتهن حضور في الفضاء العام؟
كان يمكن، على الأقل، أن تتحول الدورة الحالية إلى مناسبة للتضامن الإنساني، أو أن تُخصص فقرات رمزية لتكريم الضحايا، أو أن يُعلن عن موقف تضامني واضح مع الأسر المنكوبة، بدل أن يبدو المشهد وكأن المدينة انتقلت ببساطة من مأساة إلى مهرجان.
المسؤولية هنا لا تقع على الفنانين وحدهم، ولا على منظمي المهرجان، وإنما تطرح أساساً سؤالاً على السلطات المحلية والإقليمية والجهات التي ترعى أو تسمح بتنظيم هذه التظاهرات.
فالمؤسسات العمومية لا تُقاس فقط بقدرتها على تنظيم المهرجانات وتأمين السهرات، وإنما أيضاً بقدرتها على قراءة المزاج العام، واستيعاب حجم الألم الذي تعيشه المنطقة، واتخاذ القرارات التي تراعي مشاعر المواطنين.
فهل تمت مناقشة تداعيات هذه الفاجعة قبل الإصرار على تنظيم المهرجان في موعده؟ وهل تم التفكير في أسر الضحايا ومشاعرهم؟ وهل كان من المستحيل تأجيل بعض الفعاليات أو تخفيف طابعها الاحتفالي إلى حين اتضاح مصير المفقودين؟
قد تكون هناك مبررات تنظيمية والتزامات مالية وبرامج تم إعدادها منذ أشهر، لكن المآسي الإنسانية الكبرى لا تُقاس دائماً بمنطق البرمجة الإدارية.
هناك لحظات تحتاج فيها المدن إلى الصمت أكثر مما تحتاج إلى مكبرات الصوت، وهناك مناسبات يكون فيها احترام مشاعر الناس أهم من الحفاظ على برنامج احتفالي.
وإذا كانت المعطيات المتداولة بشأن عدد الضحايا والمفقودين تحتاج، بطبيعة الحال، إلى التثبت من المصادر الرسمية، فإن مجرد وقوع مأساة بهذا الحجم كافٍ لطرح سؤال أخلاقي وإنساني حول طريقة تدبير الحياة العامة في منطقة ما تزال تعيش آثارها.
لم يكن المطلوب بالضرورة إلغاء الثقافة والفن، بل كان بالإمكان إعادة توجيه رسالة المهرجان، فالفن الحقيقي لا يعيش خارج المجتمع، ولا يتجاهل أحزان الناس، كان يمكن أن تكون هذه الدورة مناسبة للتضامن مع الأسر، وللتذكير بأرواح الضحايا، ولإطلاق مبادرات إنسانية، ولمنح “الأصوات النسائية” معنى أعمق من الغناء فوق منصة.
لكن أن تُضاء المنصات وتُرفع الموسيقى، بينما تعيش أسر أخرى في الجهة نفسها ليالي من الحزن والانتظار، فإن ذلك يفتح الباب أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل فقدنا الإحساس بالتوقيت؟
تطوان تحتاج إلى الفن، نعم، وتحتاج إلى الثقافة، وتحتاج إلى الفرح أيضاً، لكن الفرح الذي لا يرى حزن جيرانه يتحول إلى استفزاز لمشاعرهم.
وفي النهاية، يبقى السؤال موجهاً إلى الجهات المسؤولة عن تدبير هذا الموعد: هل كان تنظيم المهرجان في هذه الظرفية اختياراً موفقاً، أم أن بعض المناسبات تستحق أن تُؤجل احتراماً لأمهات فقدن أبناءهن، ولعائلات ما تزال تنتظر خبراً قد لا يأتي؟
تعليقات الزوار