هبة زووم – الدار البيضاء
لم تعد مدينة الدار البيضاء مجرد حاضرة اقتصادية تعج بالبنايات والإسفلت وضجيج الحياة اليومية، بل أصبحت مرآة صارخة لاختلال عميق في العلاقة بين المواطن والمؤسسات، بعدما تحولت الفوضى في عدد من أحيائها إلى واقع يومي عادي، يكشف تراجع هيبة القانون وعجز الجهات المسؤولة عن فرض الحد الأدنى من النظام داخل الفضاء العام.
فالمدينة التي يُفترض أن تكون واجهة المغرب الاقتصادية والتنموية، تعيش اليوم على وقع انفلات حضري متزايد، حيث لم تعد الأرصفة للمارة، ولا الشوارع للسير والجولان، بل تحولت أجزاء واسعة منها إلى أسواق عشوائية مفتوحة، تفرض منطقها بقوة الأمر الواقع، وسط صمت يثير أكثر من علامة استفهام.
إن ما يحدث في عدد من أحياء البيضاء لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر أو البطالة، بل أصبح نموذجاً صارخاً لفشل التدبير الحضري، حين تتراجع الدولة خطوة إلى الخلف، وتُترك المدينة تحت رحمة اقتصاد عشوائي يلتهم كل شيء: الأرصفة، الطرقات، النظام العام، وحتى حق الساكنة في العيش داخل بيئة تحفظ الحد الأدنى من الكرامة.
الأخطر من ذلك أن الفوضى لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى قاعدة شبه دائمة، وكأن المدينة دخلت مرحلة “التطبيع مع العشوائية”، حيث تمر حملات تحرير الملك العمومي بشكل موسمي واستعراضي، قبل أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد ساعات أو أيام، في مشهد عبثي يعكس غياب رؤية حقيقية لمعالجة أصل الأزمة.
لقد أصبح المواطن البيضاوي يشعر، أكثر من أي وقت مضى، أن القانون يُطبق بانتقائية، وأن بعض المناطق تُترك خارج أي مراقبة فعلية، بينما تُشدد الإجراءات فقط في الفضاءات التي تبقى تحت أعين الكاميرات والزيارات الرسمية.
وهذا الإحساس المتزايد بازدواجية المعايير يساهم بشكل مباشر في تآكل الثقة في المؤسسات، ويعزز قناعة خطيرة مفادها أن من يفرض نفسه في الشارع هو من ينتصر، لا من يحترم القانون.
ولا يتعلق الأمر هنا بمحاربة الباعة الجائلين أو شيطنة الفئات الهشة، فهؤلاء بدورهم ضحايا واقع اقتصادي واجتماعي مختل، بل إن جوهر الأزمة يكمن في غياب مقاربة حضرية عادلة وذكية، توازن بين الحق في العمل والحق في المدينة، بين الضرورة الاجتماعية واحترام النظام العام.
فالمدن الكبرى لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها أو أبراجها، بل بقدرتها على تنظيم المجال العام وضمان العيش المشترك داخل فضاء تحكمه القوانين لا الفوضى. غير أن الدار البيضاء تبدو اليوم وكأنها تُدار بمنطق الترقيع وردود الفعل، لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي والحكامة الحضرية.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط جمالية المدينة أو انسيابية حركة السير، بل يهدد أيضاً فكرة الدولة نفسها داخل المجال الحضري. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مدينة ليس الفقر أو الاكتظاظ، بل أن يصبح غياب النظام أمراً عادياً، وأن تتحول الفوضى إلى ثقافة يومية تتعايش معها المؤسسات بدل مواجهتها.
الدار البيضاء اليوم لا تحتاج إلى خطابات موسمية أو حملات ظرفية تُلتقط خلالها الصور، بل تحتاج إلى إرادة سياسية وإدارية حقيقية تعيد الاعتبار للقانون، وتحمي حق الساكنة في مدينة منظمة، دون تجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي للظاهرة.
لأن المدينة التي تُترك للفوضى تفقد تدريجياً معناها كفضاء للعيش، وتتحول شيئاً فشيئاً إلى عنوان يومي لعجز المؤسسات عن فرض النظام والعدالة المجالية.
تعليقات الزوار