الرشيدية.. “فراقشية السياسة” يحولون مقهى بمدارة واد الذهب إلى غرفة سوداء لتدبير الصفقات والتحالفات الانتخابية

هبة زووم – الرشيدية
في مدينة الرشيدية، لم يعد الحديث داخل الأوساط السياسية والمنتخبة يدور حول التنمية المحلية أو مشاكل الساكنة أو تعثر المشاريع، بقدر ما أصبح ينصب على ما يجري داخل مقهى شهير بمدارة واد الذهب، تحول، وفق مصادر متطابقة، إلى ما يشبه “غرفة عمليات سياسية” تُدار فيها التحالفات وتُطبخ داخلها التوافقات الانتخابية والصفقات والمصالح المشتركة بعيداً عن أعين المواطنين.
المثير في المشهد، بحسب المتابعين للشأن المحلي، أن هذا الفضاء الذي يوجد في ملكية مستشار جماعي، بات قبلة يومية لعدد من المنتخبين والمستشارين المنتمين إلى تيارات وأحزاب مختلفة، حيث تُلقى الانتماءات السياسية جانباً، ويجلس الجميع حول طاولة واحدة، ليس من أجل مناقشة هموم المدينة أو البحث عن حلول لأزمات الساكنة، بل لحماية المصالح الخاصة وتقاسم النفوذ والتحضير المبكر للانتخابات المقبلة.
مصادر محلية وصفت هذا التكتل الجديد بـ”فراقشية السياسة”، في إشارة إلى سماسرة المواسم والأسواق، معتبرة أن ما يجري اليوم بالرشيدية يُفرغ العمل السياسي من أي مضمون أخلاقي أو تمثيلي، ويحوله إلى مجرد عملية تجارية هدفها الحفاظ على الامتيازات والتموقع داخل خريطة الصفقات والتزكيات.
ووفق المعطيات المتداولة، فإن هذه المجموعة تتحرك بمنطق “اللوبي الموحد”، حيث يسود تنسيق كامل بين أعضائها من أجل التحكم في التزكيات الحزبية المقبلة، والعمل على إقصاء أي وجوه جديدة أو كفاءات مستقلة يمكن أن تهدد مصالحها الانتخابية والاقتصادية. فالمعيار، بحسب منتقدي هذا الوضع، لم يعد هو الكفاءة أو القرب من المواطنين، بل القدرة على خدمة الشبكة والمحافظة على توازناتها الداخلية.
الأخطر من ذلك، أن هذا التحالف غير المعلن، تقول المصادر، لا يتردد في التنقل بين الأحزاب والضغط من أجل احتكار التزكيات، بل وحتى “حرقها” عند الضرورة، فقط لضمان ألا يصل أي اسم خارج دائرة الولاء والمصالح إلى المؤسسات المنتخبة. وهو ما يعكس، حسب متابعين، حجم الانحدار الذي بات يطبع الممارسة السياسية بالإقليم، حيث تحولت الأحزاب من فضاءات للتأطير والدفاع عن قضايا المواطنين إلى مجرد واجهات انتخابية قابلة للبيع والشراء.
مدينة الرشيدية، التي تعاني من اختلالات تنموية واضحة وبنيات تحتية متعثرة ومشاريع مؤجلة، لا تحتاج اليوم إلى “سماسرة سياسة” يلتقون كل مساء لتوزيع النفوذ، بقدر ما تحتاج إلى نخب حقيقية تمتلك رؤية تنموية وجرأة في مواجهة واقع التهميش الذي تعيشه المنطقة منذ سنوات.
لكن الواقع، كما يبدو، يسير في اتجاه آخر، حيث أصبح المنتخب الذي يختفي طيلة الولاية، يعود فجأة مع اقتراب الانتخابات، محاطاً بشبكات المصالح والتحالفات المشبوهة، في مشهد يعمق أزمة الثقة بين المواطن والسياسة، ويجعل جزءاً كبيراً من الساكنة ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد مسرحية موسمية لا تنتج سوى الوجوه نفسها والخطابات نفسها والمصالح نفسها.
إن أخطر ما يهدد الرشيدية اليوم ليس فقط ضعف التنمية أو هشاشة البنيات، بل هذا التطبيع الخطير مع “اللوبيات الانتخابية” التي تحاول احتكار القرار المحلي، وتحويل المؤسسات المنتخبة إلى أدوات لخدمة المصالح الضيقة بدل خدمة الصالح العام.
فحين تصبح المقاهي بديلاً عن المؤسسات، والتوافقات السرية بديلاً عن التنافس الديمقراطي، فإن السياسة تكون قد فقدت معناها الحقيقي، وتحولت إلى سوق مفتوح للمساومات والامتيازات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد