معركة المحاماة تشتعل من جديد والنقباء يرفضون “النص غير المقبول” ويشعلون مواجهة جديدة مع الحكومة

هبة زووم – الرباط
يبدو أن مشروع قانون مهنة المحاماة يتجه نحو إشعال واحدة من أكبر المواجهات المهنية والقانونية خلال المرحلة المقبلة، بعدما أعلنت ندوة النقباء بجمعية هيئات المحامين بالمغرب، المنعقدة بالرباط، رفضها الصريح للتعديلات التي أدخلت على المشروع داخل المؤسسة التشريعية، معتبرة أنها تمس جوهر المهنة وتهدد استقلاليتها ومكانتها الدستورية والتاريخية.
اللقاء الذي جمع عشرات النقباء والرؤساء السابقين لجمعية هيئات المحامين بالمغرب لم يكن مجرد اجتماع مهني عادي، بل حمل رسائل سياسية وقانونية قوية مفادها أن أسرة الدفاع تعتبر نفسها اليوم أمام منعطف حاسم يتعلق بمستقبل المهنة وموقعها داخل منظومة العدالة المغربية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الجمعية تعول على جولات الحوار التي خاضتها مع مختلف المؤسسات الرسمية، بما في ذلك اللقاء الذي جمع ممثليها برئيس الحكومة، والذي وصف حينها بأنه أفرز مؤشرات إيجابية ومشجعة على استمرار النقاش، جاءت التعديلات التي أدخلت على المشروع داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان لتعيد الأجواء إلى نقطة التوتر والصدام.
ووفق ما عبر عنه عدد من المتدخلين خلال الندوة، فإن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط ببعض المقتضيات التقنية أو المهنية، بل أصبح يتعلق برؤية شاملة لمستقبل مهنة المحاماة ودورها داخل دولة القانون والمؤسسات.
فالمحامون يرون أن أي مساس باستقلالية المهنة أو بمؤسساتها المهنية لا يستهدف فئة مهنية بعينها، بقدر ما ينعكس بشكل مباشر على ضمانات المحاكمة العادلة وعلى التوازن المفترض بين مختلف مكونات منظومة العدالة.
ومن هذا المنطلق، شدد المشاركون على أن المحاماة ليست مجرد نشاط مهني منظم بقانون، بل هي مؤسسة قائمة الذات تضطلع بأدوار دستورية وحقوقية وتاريخية جعلتها على الدوام جزءاً من معركة الدفاع عن الحقوق والحريات وترسيخ دولة الحق والقانون.
وتكشف نبرة البيان الصادر عن ندوة النقباء أن منسوب القلق داخل أسرة الدفاع بلغ مستويات غير مسبوقة، خاصة بعد اعتبار التعديلات الأخيرة تراجعاً عن التفاهمات التي كانت موضوع نقاش خلال مراحل الحوار السابقة. وهو ما دفع المشاركين إلى إعلان دعمهم الكامل لمكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب وتفويضه لاتخاذ ما يراه مناسباً من خطوات وإجراءات خلال المرحلة المقبلة.
ويرى متابعون أن ما يجري اليوم يعكس أزمة أعمق تتجاوز مشروع قانون المحاماة في حد ذاته، لتطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمنهجية إعداد القوانين المنظمة للمهن القضائية والحقوقية، ومدى إشراك الهيئات المهنية في بلورة النصوص التي تؤطر اختصاصاتها وصلاحياتها ومستقبلها المؤسساتي.
كما أن تمسك المحامين بخطاب الدفاع عن الاستقلالية المهنية يكشف تخوفاً متزايداً من أي توجه قد يؤدي إلى إضعاف الأدوار التقليدية التي اضطلعت بها هيئات المحامين عبر عقود، سواء في الدفاع عن الحقوق والحريات أو في حماية ضمانات التقاضي ومبادئ العدالة.
وفي هذا السياق، أعلنت ندوة النقباء حالة تعبئة ويقظة مستمرة داخل الجسم المهني، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تستوجب توحيد الصفوف وتجاوز الحسابات الضيقة دفاعاً عن ما وصفته برسالة المحاماة وقيمها وأعرافها وتقاليدها الراسخة.
ويبدو أن الأنظار ستتجه خلال الأسابيع المقبلة إلى مجلس المستشارين، حيث ينتظر أن تتواصل مناقشة المشروع وسط ضغوط متزايدة من الهيئات المهنية، في وقت تراهن فيه جمعية هيئات المحامين على تعبئة مختلف مكونات المهنة لإعادة فتح النقاش حول المقتضيات المثيرة للجدل.
وبين منطق الإصلاح التشريعي الذي تدافع عنه الجهات الحكومية، وتمسك المحامين باستقلالية مؤسساتهم المهنية، تبدو معركة مشروع قانون المحاماة مرشحة لمزيد من التصعيد، خاصة أن ندوة النقباء اختارت هذه المرة لغة واضحة لا تحتمل التأويل، عنوانها أن الدفاع عن المحاماة هو، في نظرها، دفاع عن العدالة نفسها وعن التوازنات التي تقوم عليها دولة القانون.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد