مليارات صُرفت والاختلالات مستمرة.. اعتراف وزارة الداخلية يفتح ملف فشل تدبير قطاع النظافة بالمغرب

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الحديث عن تطوير خدمات النظافة وتحسين تدبير النفايات المنزلية، جاء اعتراف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بوجود اختلالات في منظومة التدبير المفوض ليعيد طرح سؤال قديم جديد: أين ذهبت مليارات الدراهم التي صُرفت إذا كانت النتيجة في كثير من المدن هي شوارع متسخة، وحاويات ممتلئة، وشكاوى يومية من المواطنين؟
الأرقام التي قدمها الوزير تبدو للوهلة الأولى إيجابية؛ استثمارات تناهز 3.9 مليارات درهم، ونسبة تغطية لخدمة جمع النفايات بلغت 96 في المائة، ورفع نسبة الطمر إلى 63 في المائة، مع توفير أكثر من 27 ألف منصب شغل قار، غير أن هذه المؤشرات تصطدم بواقع ميداني مختلف في عدد من الجماعات الترابية، حيث ما تزال أزمة النظافة عنواناً يومياً للاحتجاجات ولشكاوى السكان.
واللافت أن وزير الداخلية نفسه أقر بأن أسلوب التدبير المفوض، رغم مزاياه النظرية، كشف عن اختلالات حالت دون تحقيق الأهداف المرجوة، وأدت في حالات عديدة إلى تراجع جودة الخدمات المقدمة، وهو اعتراف يفتح الباب أمام مساءلة حقيقية حول أسباب استمرار هذه الأعطاب رغم مرور سنوات على اعتماد هذا النموذج.
فإذا كانت بعض الجماعات عاجزة عن تحمل الكلفة المالية للعقود، وإذا كانت تفتقر إلى آليات التتبع والمراقبة، وإذا كانت العلاقة التعاقدية نفسها لا تُفهم أو لا تُطبق بالشكل المطلوب، فإن السؤال المشروع هو: لماذا استمر العمل بالآليات نفسها دون مراجعة جذرية قبل أن تتفاقم المشاكل؟
لقد تحولت النظافة في عدد من المدن إلى أحد أبرز مؤشرات ضعف الحكامة المحلية، حيث تتكرر مشاهد تراكم النفايات، وتأخر عمليات الجمع، وامتلاء الحاويات، في وقت تبرر فيه الشركات المفوض لها التدبير الأمر بإكراهات مالية أو تقنية، بينما تجد الجماعات نفسها عاجزة عن فرض احترام دفاتر التحملات أو تفعيل الجزاءات المنصوص عليها في العقود.
ويزداد المشهد تعقيداً عندما تتحول العلاقة بين بعض الجماعات والشركات المفوض لها إلى تبادل للاتهامات، فيغيب المواطن عن الحسابات رغم أنه الطرف الذي يتحمل بشكل مباشر آثار أي تقصير، فالساكنة لا تعنيها تفاصيل العقود ولا الخلافات الإدارية، بل تنتظر خدمة عمومية تحترم كرامتها وتحافظ على بيئتها وصحتها.
ومن هنا، فإن مجرد تعديل العقود النموذجية أو تحسين الصياغات القانونية لن يكون كافياً إذا لم يواكبه تشديد فعلي للمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فالتدبير المفوض لا يمكن أن يتحول إلى غطاء يبرر ضعف الأداء أو يعفي أي طرف من التزاماته التعاقدية.
كما أن توصيات المجلس الأعلى للحسابات، التي أشار إليها وزير الداخلية، ينبغي أن تتحول إلى إجراءات عملية على أرض الواقع، عبر تقييم دوري للأداء، ونشر مؤشرات واضحة حول احترام الشركات لالتزاماتها، وتمكين المواطنين من الاطلاع على نتائج المراقبة والافتحاص.
إن الرهان اليوم لم يعد في الدفاع عن نموذج التدبير المفوض أو مهاجمته، بل في ضمان نجاعته وفعاليته. فالمواطن المغربي لا يحاكم الشعارات ولا العقود، وإنما يحاكم النتيجة التي يراها كل صباح في شارعه وحيه ومدينته.
وفي ظل هذا الاعتراف الرسمي بوجود اختلالات، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لهذا القطاع الحيوي، حتى لا تبقى مليارات الدراهم المرصودة مجرد أرقام في التقارير، بينما تستمر أكوام النفايات في احتلال الشوارع وتغذية شعور المواطنين بأن أزمة النظافة في المغرب هي قبل كل شيء أزمة تدبير ومساءلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد