الحكومة تعترف بعيوب منظومة الدعم بعدما تحول الهاتف إلى معيار للفقر والغنى

هبة زووم – الرباط
يبدو أن الحكومة بدأت تدرك متأخرة حجم الاختلالات التي رافقت تنزيل ورش الدعم الاجتماعي المباشر، بعدما فتح الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، الباب أمام مراجعة بعض المعايير المعتمدة في عملية الاستهداف، مؤكداً استعداد الحكومة لإلغاء أي مؤشر يثبت عدم نجاعته أو مساهمته في تحقيق العدالة الاجتماعية.
هذا التصريح، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مؤشراً على مرونة الحكومة واستعدادها للتصحيح، يحمل في عمقه اعترافاً ضمنياً بأن المنظومة الحالية لم تكن بالقدر الكافي من الدقة والإنصاف الذي تم الترويج له عند إطلاق هذا الورش الاجتماعي الضخم.
فمنذ الشروع في تنزيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، تعالت أصوات آلاف الأسر التي وجدت نفسها خارج دائرة الاستفادة رغم هشاشة أوضاعها الاجتماعية، في مقابل استفادة حالات أخرى أثارت الكثير من علامات الاستفهام.
وبرزت آنذاك انتقادات واسعة للمعايير المعتمدة، خاصة تلك المرتبطة ببعض المؤشرات التقنية التي اعتبرها المواطنون بعيدة عن الواقع المعيشي الحقيقي للأسر المغربية.
ولعل أكثر ما أثار الجدل خلال الأشهر الماضية هو اعتماد مؤشرات وصفها كثيرون بأنها لا تعكس حقيقة الوضع الاجتماعي للمواطنين، من قبيل امتلاك هاتف ذكي أو بعض التجهيزات المنزلية البسيطة، وهي عناصر قد تتوفر لدى أسر فقيرة جداً دون أن يعني ذلك تحسن وضعها الاقتصادي أو قدرتها على مواجهة تكاليف المعيشة المتزايدة.
واليوم، عندما يؤكد لقجع أن الحكومة مستعدة لإلغاء أي مؤشر لا يحقق العدالة، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت بعض المعايير محل شك أو قابلة للمراجعة، فكم عدد الأسر التي تضررت بسببها؟ وكم عدد المواطنين الذين حرموا من حقهم في الدعم خلال الفترة الماضية بسبب أخطاء في التقييم أو الاستهداف؟
صحيح أن الوزير شدد على ضرورة تجنب التعميم، مؤكداً أن ملايين الأسر المستفيدة تستحق الدعم، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن الورش ما يزال يواجه تحديات كبيرة على مستوى الإنصاف والدقة. فالمواطن لا يحاكم البرامج الاجتماعية من خلال الأرقام المعلنة في الندوات والبرلمان، بل من خلال أثرها المباشر على حياته اليومية.
كما أن الحديث عن بلوغ أربعة ملايين أسرة مستفيدة لا يكفي وحده لإثبات نجاح المشروع، لأن جوهر أي سياسة اجتماعية لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، بل بمدى وصولها إلى الفئات الأكثر هشاشة واستبعاد غير المستحقين دون ظلم أو إقصاء.
ويزداد هذا النقاش أهمية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها فئات واسعة من المغاربة، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وازدياد الضغوط الاجتماعية على الأسر محدودة الدخل.
ففي مثل هذه الظروف، يصبح أي خطأ في الاستهداف أكثر كلفة من مجرد خلل إداري، لأنه قد يحرم أسرة كاملة من مورد مالي تعتبره أساسياً لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم.
إن ما يحتاجه المغاربة اليوم ليس فقط وعوداً بمراجعة المؤشرات، بل شفافية أكبر في طريقة احتسابها، وآليات تظلم أكثر فعالية، ومراجعة شاملة تضمن ألا يتحول الدعم الاجتماعي إلى مصدر جديد للشعور بالحيف والإقصاء.
فإذا كانت الحكومة قد اعترفت بإمكانية وجود مؤشرات غير عادلة، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في تشخيص المشكلة، بل في سرعة معالجتها وضمان ألا يبقى المواطن البسيط ضحية أخطاء تقنية أو حسابات رقمية لا تعكس حقيقة معاناته اليومية. فالدعم الاجتماعي ليس امتيازاً تمنحه الدولة، بل حق اجتماعي يفترض أن يصل إلى مستحقيه بكل عدالة وشفافية وإنصاف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد