الداخلة.. حين تتحول التحالفات المفروضة إلى بوابة للهيمنة وصناعة الولاءات

هبة زووم – علال الصحراوي
إذا كانت الديمقراطية المحلية تقوم في جوهرها على التنافس الحر بين البرامج والرؤى السياسية، فإن ما يجري في الداخلة يطرح سؤالاً مقلقاً حول حقيقة السلطة التي تدير المشهد المحلي، وحول ما إذا كانت المؤسسات المنتخبة ما تزال تمتلك هامشاً فعلياً لصناعة القرار، أم أنها تحولت إلى مجرد واجهة شكلية لإضفاء الشرعية على ترتيبات تُحسم في أماكن أخرى.
فالتحالفات التي أفرزت عدداً من المجالس المنتخبة خلال السنوات الأخيرة لم تكن، في نظر كثير من المتابعين، ثمرة تفاهمات سياسية محلية أو انعكاساً للإرادة الحقيقية للناخبين، بقدر ما كانت نتاج هندسة فوقية صيغت خارج حدود الإقليم، وفق حسابات حزبية ضيقة وتوازنات مفروضة من مراكز القرار.
والنتيجة كانت إنتاج مجالس هجينة، تجمع بين أطراف لا يجمعها برنامج ولا رؤية ولا مشروع تنموي مشترك، سوى الرغبة في اقتسام المواقع والمناصب، وهو ما جعل المؤسسات المنتخبة تدخل في حالة شلل سياسي مزمن، وفقدان متزايد للثقة لدى المواطنين الذين لم يعودوا يرون في المنتخبين سوى أدوات داخل لعبة أكبر منهم.
في هذا المناخ المشحون بالهشاشة والانقسام، وجد والي جهة الداخلة وادي الذهب، علي خليل، مساحة واسعة للتحرك وفرض حضوره القوي داخل المشهد المحلي. فحين تصبح الأحزاب مشتتة، والمجالس منقسمة، والنخب منشغلة بصراعات المواقع، يصبح المجال مفتوحاً أمام الإدارة الترابية لتتحول من سلطة مواكبة إلى فاعل مركزي يتحكم في إيقاع المشهد ويعيد ترتيب موازين القوى وفق منطق يصفه منتقدوه بسياسة “فرّق تسد”.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة تحالفات أو ضعف أحزاب، بل يكشف أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النخب السياسية التي أفرزتها المرحلة، فكيف يمكن الحديث عن تنمية محلية حقيقية في ظل نخب اعتادت انتظار التعليمات بدل صناعة المبادرات؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات قوية إذا كانت الولاءات الشخصية تتقدم على الكفاءة والاستقلالية السياسية؟
لقد تحولت بعض المجالس المنتخبة إلى ساحات لتصفية الحسابات، بينما تُركت الملفات الحقيقية للساكنة في الهامش. فلا أحد يتحدث بالجدية المطلوبة عن التشغيل، أو الاستثمار، أو العدالة المجالية، أو تحسين الخدمات العمومية، بقدر ما ينشغل الجميع بمعارك النفوذ وإعادة التموضع استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وإذا كانت الإدارة الترابية اليوم تبدو المستفيد الأكبر من هذا الوضع، فإن المسؤولية لا تقع عليها وحدها. فالأحزاب التي قبلت بأن تُدار تحالفاتها من خارج المجال المحلي تتحمل نصيباً كبيراً من هذا الانحدار. والنخب التي فضلت الصمت حفاظاً على مواقعها تتحمل بدورها مسؤولية إضعاف الحياة السياسية وتحويلها إلى مجرد طقوس انتخابية بلا مضمون.
إن ما تعيشه الداخلة اليوم ليس أزمة أشخاص، بل أزمة نموذج كامل في تدبير الشأن العام. نموذج يقوم على إنتاج التبعية بدل الاستقلالية، وعلى صناعة الولاءات بدل الكفاءات، وعلى التحكم في التوازنات بدل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الحديث عن التنمية أو الديمقراطية المحلية يفقد الكثير من معناه، لأن التنمية لا تصنعها مؤسسات ضعيفة، ولا تبنيها نخب فاقدة للاستقلالية، كما أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في بيئة تُدار فيها التحالفات من فوق، وتُختزل فيها السياسة في مجرد توزيع للمواقع والمكاسب.
لقد نجح هذا النموذج في إضعاف الأحزاب وإفراغ المؤسسات من مضمونها، لكنه في المقابل عمّق فجوة الثقة بين المواطن والسياسة. وهي الفجوة التي قد تتحول مستقبلاً إلى أخطر تحد يواجه المنطقة، لأن الشعوب قد تصبر على ضعف الخدمات، لكنها لا تغفر بسهولة شعورها بأن صوتها لم يعد قادراً على التأثير في صناعة القرار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد