هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تندرج ضمن قراءاته النقدية المتواصلة لتطورات الشرق الأوسط، تناول الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي آخر فصول التوتر والتفاوض بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، متوقفاً هذه المرة عند موقع القضية الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة، في خضم التجاذبات الإقليمية والدولية الجارية.
واعتبر اليحياوي أن المفاوضات التي دارت بين واشنطن وطهران لم تشهد حضوراً مباشراً لملف غزة ضمن بنودها المعلنة، لكنه في المقابل لفت إلى غياب أي موقف معاتب أو منتقد من قبل الفصائل الفلسطينية الرئيسية تجاه إيران بسبب ذلك، سواء من طرف حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي أو حتى السلطة الفلسطينية.
ورأى الباحث أن هذا الموقف يجد تفسيره في طبيعة العلاقة التي ربطت طهران بفصائل المقاومة الفلسطينية خلال العقود الماضية، مذكراً بما سبق أن صرح به قادة فلسطينيون حول حجم الدعم السياسي والمالي والعسكري الذي وفرته إيران للمقاومة الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة.
واستحضر في هذا السياق تصريحات سابقة للراحل يحيى السنوار، الذي أكد في أكثر من مناسبة أهمية الدعم الإيراني في تعزيز قدرات المقاومة وتمكينها من الصمود في مواجهة العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبراً أن الفلسطينيين يدركون حجم هذا الدعم، وهو ما يفسر، بحسبه، غياب أي خطاب يحمّل طهران مسؤولية عدم إدراج الملف الفلسطيني ضمن أجندة التفاوض الحالية.
وفي قراءته للمشهد الإقليمي، ذهب اليحياوي إلى أن إيران، رغم حضورها القوي في عدد من ملفات المنطقة، لا يمكن أن تتحمل بمفردها مسؤولية الدفاع عن القضايا العربية، ولا أن تتحول إلى بديل عن الدول العربية نفسها في مواجهة التحديات السياسية والعسكرية التي تعرفها المنطقة.
كما وجه انتقادات حادة لبعض الأنظمة العربية التي يرى أنها وقفت موقف المتفرج، أو حتى المتواطئ، خلال الحرب التي شهدها قطاع غزة، معتبراً أن المأساة الإنسانية التي عاشها الفلسطينيون خلال السنوات الأخيرة كشفت حجم التباين بين الشعارات المرفوعة والمواقف الفعلية على الأرض.
وفي سياق متصل، اعتبر اليحياوي أن جزءاً من الأزمة التي تعيشها المنطقة يعود إلى طبيعة التحالفات والاصطفافات الإقليمية القائمة، متهماً بعض الأطراف العربية بالاستمرار في النظر إلى إيران باعتبارها خصماً استراتيجياً، في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتعاظم التحديات المشتركة.
ويرى صاحب التدوينة أن التجارب الأخيرة أظهرت محدودية السياسات القائمة على المواجهة الدائمة مع طهران، داعياً إلى إعادة تقييم هذه المقاربة والانفتاح على صيغ جديدة من التعاون والحوار الإقليمي، انطلاقاً من المصالح المشتركة والتحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة بأسرها.
وفي خاتمة تدوينته، خلص اليحياوي إلى أن موازين القوة لا تُبنى بالشعارات أو المواقف الخطابية، بل بامتلاك عناصر التأثير والقدرة على الفعل، معتبراً أن الدول التي نجحت في فرض حضورها الإقليمي فعلت ذلك عبر بناء أدوات القوة والردع والتفاوض، وليس عبر الاكتفاء بإدارة الأزمات أو انتظار تدخل الآخرين للدفاع عن مصالحها وقضاياها.
وتعكس هذه التدوينة استمرار اليحياوي في تقديم قراءات مثيرة للجدل بشأن التحولات الجارية في الشرق الأوسط، من خلال مقاربة تربط بين القضية الفلسطينية، وموازين القوى الإقليمية، ومستقبل التحالفات السياسية في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود.
تعليقات الزوار