هبة زووم – سطات
بينما تسعى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بقيادة الوزير محمد سعد برادة، إلى تكريس قواعد جديدة للحكامة والشفافية في تدبير الامتحانات الإشهادية، يبدو أن بعض المديريات الإقليمية ما زالت تجد في “الاجتهاد الإداري” وسيلة للالتفاف على روح الإصلاح، ولو كان ذلك على حساب مضامين مذكرات وزارية واضحة وصريحة.
وفي هذا السياق، أثار تدبير الامتحانات الإشهادية بمديرية سطات موجة من التساؤلات والاستياء داخل الأوساط التعليمية، بعدما اختارت المديرية اعتماد مقاربة اعتبرها عدد من الفاعلين التربويين مخالفة لروح المذكرة الوزارية رقم 031/26 الصادرة بتاريخ 31 مارس 2026، والتي جاءت أصلاً لوضع حد لممارسات ظلت محل انتقاد لسنوات.
فالمذكرة الوزارية نصت بوضوح على أن تلاميذ السنة السادسة ابتدائي يجتازون الامتحان الإشهادي بمؤسسات التعليم الإعدادي المستقبلة، تحت إشراف أطرها التربوية، كما يجتاز تلاميذ السنة الثالثة إعدادي امتحاناتهم بالثانويات التأهيلية المستقبلة وبحراسة أطرها التربوية كذلك. وهو إجراء يروم تعزيز شروط الحياد والموضوعية وإبعاد أي شبهة قد ترتبط بما كان يعرف داخل الوسط التربوي بـ”حراسة المنتوج”.
غير أن ما جرى بمديرية سطات، بحسب المعطيات المتداولة، سار في اتجاه مغاير، حيث تم تكليف أساتذة التعليم الابتدائي بحراسة تلامذتهم داخل المؤسسات الإعدادية، كما أسندت مهمة حراسة امتحانات تلاميذ الإعدادي إلى أساتذتهم أنفسهم داخل الثانويات التأهيلية، في خطوة اعتبرها منتقدون تفريغاً للمذكرة الوزارية من محتواها الحقيقي، واحتراماً شكلياً للنص مقابل الالتفاف على أهدافه الجوهرية.
وتطرح هذه الواقعة أسئلة حقيقية حول حدود السلطة التقديرية للإدارة المحلية، ومدى جواز الاجتهاد في وجود نص تنظيمي صريح وواضح لا يترك مجالاً للتأويل، فالإصلاحات التربوية، كما يؤكد العديد من المتتبعين، لا يمكن أن تنجح إذا أصبحت المذكرات الوزارية خاضعة لتفسيرات محلية متباينة من مديرية إلى أخرى.
لكن الجدل الدائر حول الامتحانات الإشهادية بسطات لا ينفصل، في نظر عدد من الفاعلين، عن إرث تدبيري أعمق ما تزال المديرية تؤدي كلفته إلى اليوم. إذ يتحدث العديد من المتابعين عن آثار مرحلة سابقة طبعها منطق الولاءات الحزبية والنقابية في إسناد المسؤوليات والمهام، على حساب معايير الكفاءة والاستحقاق والاستقلالية المهنية.
ويرى منتقدو هذا النموذج أن بعض المناصب والمسؤوليات ظلت لسنوات رهينة توازنات ضيقة، حيث تم تقديم المحسوبين على جهات نقابية أو حزبية معينة على حساب الكفاءات القادرة على إحداث التغيير المطلوب داخل المنظومة التربوية، وهو ما ساهم في ترسيخ ثقافة إدارية تفضل منطق الولاء على منطق المردودية والنجاعة.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه الأسرة التعليمية بسطات فتح صفحة جديدة عنوانها الالتزام الصارم بالقانون وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، يظل السؤال مطروحاً حول مدى قدرة المديرية الإقليمية على القطع مع ممارسات الماضي والانخراط الفعلي في تنزيل الإصلاحات التي تعلنها الوزارة المركزية.
فإذا كانت الوزارة قد اختارت معالجة بعض الاختلالات عبر نصوص تنظيمية واضحة، فإن نجاح هذه الإصلاحات يبقى رهيناً بمدى احترامها على أرض الواقع، لا بتحويلها إلى مجرد وثائق إدارية يتم احترام شكلها وتعطيل مضمونها.
وفي قطاع حساس كالتعليم، فإن أي التفاف على روح الإصلاح قد ينسف الثقة في جدوى التغيير، ويعيد إنتاج نفس الممارسات التي كانت سبباً في تعثر العديد من الأوراش التربوية خلال السنوات الماضية.
تعليقات الزوار