هبة زووم – الرباط
في السياسة، لا تكشف البلاغات الرسمية دائما حقيقة موازين القوى، بل قد تخفيها خلف لغة دبلوماسية محسوبة، أما الاختبار الحقيقي فيبدأ عندما يحين موعد توزيع التزكيات، لأنها اللحظة التي تظهر فيها مراكز القرار الحقيقية داخل الأحزاب، ويتحدد من يوقع القرار، ومن يصنعه.
هذا السؤال يفرض نفسه اليوم بقوة داخل حزب الاستقلال، بعد الإعلان عن عدد من مرشحيه للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وهي لوائح حملت رسائل أكثر مما قدمت من أجوبة.
ففي الوقت الذي جدد فيه الحزب ثقته في عدد من برلمانييه الحاليين، اختار تأجيل الحسم في دوائر انتخابية وازنة، الأمر الذي فتح الباب أمام سيل من التأويلات والتساؤلات داخل الأوساط السياسية.
المثير أن التزكيات مرت بسلاسة في عدد من الدوائر العادية، بينما توقفت عند الملفات الثقيلة، وكأن القرارات المتعلقة بها تحتاج إلى ميزان آخر، أو إلى توافقات لا تزال قيد الطبخ خلف الأبواب المغلقة.
ويزداد هذا الانطباع مع استمرار الغموض بشأن الأقاليم الجنوبية، التي ارتبط اسمها لسنوات بالنفوذ السياسي لـحمدي ولد الرشيد، حيث بقيت خارج اللائحة الأولى، وهو ما عزز الحديث عن استمرار المشاورات الداخلية وعدم حسم القرار النهائي بشأنها.
وفي خضم هذا المشهد، يعود السؤال الذي يتردد داخل الصالونات السياسية أكثر مما يطرح داخل المؤسسات الحزبية: هل يمسك نزار بركة فعلا بكل خيوط القرار داخل حزب الاستقلال، أم أن هناك مراكز نفوذ أخرى تملك قدرة أكبر على توجيه بوصلة التزكيات؟
لا أحد يستطيع الجزم بما يجري داخل دواليب الحزب، غير أن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال البلاغات الرسمية، بل أيضا من خلال توقيت القرارات، وما يتم تأجيله أكثر مما يتم الإعلان عنه، فحين تتأخر التزكيات في أهم الدوائر الانتخابية، يصبح من الطبيعي أن ترتفع علامات الاستفهام حول الجهة التي تملك الكلمة الأخيرة.
فالنفوذ داخل الأحزاب لا يقاس دائما بالمناصب التنظيمية، بل بحجم التأثير الفعلي في صناعة القرار، والقدرة على حسم الملفات الحساسة، خصوصا تلك التي ترتبط بالرهانات الانتخابية الكبرى.
والمفارقة أن الحزب الذي يحمل اسم “الاستقلال” يجد نفسه اليوم أمام نقاش داخلي وخارجي حول استقلالية قراره التنظيمي. فمن يحدد فعلا هوية المرشحين؟ ومن يملك حق الحسم عندما تتضارب الحسابات السياسية؟ وهل يكفي توقيع الأمين العام لإثبات أن القرار صُنع داخل مكتبه، أم أن مسار القرار يمر عبر محطات أخرى قبل أن يصل إلى الصيغة النهائية؟
الأسابيع المقبلة ستكون كفيلة بكشف الكثير من الإجابات، لأن الحقيقة السياسية لا تظهر عادة مع أول بلاغ، بل تتضح مع آخر تزكية، عندما تكتمل الصورة وتتضح خريطة الرابحين والخاسرين داخل الحزب.
وإلى أن تُستكمل لوائح المرشحين، سيظل الجدل قائما، ليس بهدف إصدار الأحكام، وإنما لفهم طبيعة موازين القوى داخل أحد أعرق الأحزاب المغربية، فهل يقود نزار بركة حزب الاستقلال بما تمنحه له الصفة التنظيمية من صلاحيات، أم أن نفوذ شخصيات وازنة داخل الحزب يجعل بعض القرارات لا ترى النور إلا بعد حصولها على الضوء الأخضر من مراكز تأثير أخرى؟
إنه سؤال سياسي مشروع، والإجابة عنه لن تقدمها التصريحات، بل ستكشفها التزكيات المقبلة، لأنها وحدها القادرة على تحديد من يمسك فعلا بميزان القرار داخل حزب الاستقلال.
تعليقات الزوار