“طاحت الصمعة علقو الحجام”.. هل أصبح سائقو سيارات الأجرة كبش فداء لفشل تدبير أزمة سبتة؟

هبة زووم – تطوان
يبدو أن الحكومة، بدل أن تفتح نقاشاً حقيقياً حول الأسباب التي دفعت آلاف الشباب إلى التوجه نحو الفنيدق وسبتة المحتلة، اختارت الطريق الأسهل: البحث عن متهمين صغار يدفعون ثمن أزمة أكبر منهم بكثير، وها هم مهنيّو سيارات الأجرة يجدون أنفسهم في قلب العاصفة، وكأنهم المسؤولون عن موجة الهجرة الجماعية، بينما يبقى السؤال الجوهري معلقاً: من أوصل الشباب أصلاً إلى حافة اليأس؟
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام محاسبة حقيقية للمسؤولين عن الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي فجرت الأزمة، تحولت الأنظار إلى سائقي سيارات الأجرة الذين لم يقوموا، بحسب روايتهم، سوى بممارسة مهنتهم اليومية في نقل المواطنين بين تطوان والفنيدق، وهي خدمة ينظمها القانون ولا تمنحهم أي صلاحيات أمنية أو استخباراتية.
وفي هذا السياق، أعلنت النقابة الوطنية لسيارات الأجرة، التابعة للفيدرالية الديمقراطية للشغل، رفضها القاطع للأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية بتطوان في حق عدد من المهنيين المتابعين بتهمة المساعدة على الهجرة غير النظامية، معتبرة أن هذه الأحكام قاسية ولا تنسجم مع طبيعة العمل الذي يقوم به سائق سيارة الأجرة، مع تأكيدها احترام استقلال السلطة القضائية.
وأكدت النقابة أن المهنيين كانوا يؤدون مهامهم المعتادة في نقل المواطنين، خلال فترة لم يصدر فيها أي قرار رسمي يمنع التنقل أو يفرض قيوداً على حركة الركاب، مشددة على أن القانون لا يلزم السائق بالتحقق من هوية الزبون أو استجوابه بشأن وجهته أو نيته، لأن تلك اختصاصات محفوظة حصراً للسلطات الأمنية المختصة.
وإذا كان الفصل 24 من الدستور يكفل حرية التنقل داخل التراب الوطني، فإن تحميل سائق سيارة أجرة مسؤولية اختيارات الركاب أو مساءلته عن نواياهم يثير نقاشاً واسعاً حول حدود المسؤولية القانونية، ويطرح مخاوف من خلق سابقة قد تجعل آلاف المهنيين عرضة للمساءلة عن أفعال لا يملكون أي وسيلة قانونية لمنعها أو حتى التحقق منها.
غير أن القضية، في عمقها، تتجاوز الأحكام القضائية، لتكشف مرة أخرى عن ميل السلطات إلى تحميل الحلقات الأضعف تبعات أزمات معقدة، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول جذور الظاهرة.
فالهجرة الجماعية التي عرفتها سبتة لم تنطلق من سيارات الأجرة، بل انطلقت من واقع اجتماعي واقتصادي مأزوم، ومن شعور متزايد لدى آلاف الشباب بانسداد الأفق وفقدان الثقة في المستقبل.
إن معالجة تداعيات أزمة بهذا الحجم لا يمكن أن تتم عبر البحث عن “أكباش فداء” من المهنيين الذين يمارسون أعمالهم اليومية، بل تقتضي مواجهة الأسباب العميقة التي دفعت عشرات الآلاف إلى التفكير في مغادرة الوطن بأي ثمن.
أما الاكتفاء بمحاكمة الناقل، وترك من صنع بيئة الإحباط واليأس بمنأى عن أي مساءلة سياسية أو أخلاقية، فلن يزيد المشهد إلا احتقاناً، وسيكرس الانطباع بأن الدولة ما زالت تفضل معالجة النتائج بدل مواجهة الأسباب.
ويبقى الأمل معقوداً على أن يشكل النظر في مراحل التقاضي اللاحقة فرصة لإعادة تقييم هذا الملف وفق قراءة قانونية متوازنة، تحمي الحقوق وتصون العدالة، دون أن يتحول مهنيون بسطاء إلى ضحايا جانبيين لأزمة لم يكونوا سبباً في اندلاعها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد