هبة زووم – الرباط
لم يعد الجدل داخل مدرسة علوم المعلومات مقتصراً على ملفات التسيير الإداري أو الشؤون البيداغوجية، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بشرعية القرارات نفسها، بعدما فجرت النقابة الوطنية للتعليم العالي، من خلال مكتبها المحلي، ملفاً يضع طريقة تدبير مجلس المؤسسة تحت مجهر المساءلة، ويطرح أسئلة ثقيلة حول مدى احترام القانون، ومبادئ الحكامة، وحقوق ممثلي الأساتذة.
فالطعن الذي وجهته النقابة إلى المندوب السامي للتخطيط لا يقف عند حدود تسجيل ملاحظات شكلية أو اختلاف في وجهات النظر، بل يتحدث عن اختلالات إجرائية تعتبرها النقابة جوهرية، من بينها عدم توصل عدد من أعضاء مجلس المؤسسة المنتخبين بأي استدعاء رسمي لحضور اجتماع المجلس المنعقد يوم 26 يونيو 2026، رغم أن الاجتماع اتخذ قرارات وصفت بالمفصلية، وعلى رأسها اختيار ممثل هيئة الأساتذة ضمن اللجنة المكلفة بدراسة ملفات الترشيح لمنصب مدير المؤسسة.
وتزداد علامات الاستفهام عندما تشير النقابة إلى أن الأساتذة المعنيين تلقوا اتصالات ورسائل إلكترونية تحثهم على الترشح لعضوية اللجنة نفسها، بينما لم يتوصلوا باستدعاءات لحضور المجلس الذي سيبت في الموضوع. مفارقة تثير، في نظرها، تساؤلات حول طبيعة المسطرة المعتمدة، وكيف يمكن إشراك عضو في مرحلة والترتيب لإقصائه عملياً من مرحلة اتخاذ القرار.
الأكثر إثارة، وفق ما ورد في الطعن، أن بعض المعنيين لم يعلموا بانعقاد المجلس إلا بعد يومين من انتهاء أشغاله، إثر العثور على مراسلات موضوعة تحت أبواب مكاتبهم، في أسلوب اعتبرته النقابة بعيداً عن أبسط قواعد التبليغ الإداري السليم، لأنه لا يثبت تاريخ التوصل، ولا يضمن علم الأعضاء بموعد الاجتماع، ولا يكفل حقهم في المشاركة والتصويت.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد هفوة تنظيمية عابرة، بل يلامس أحد أهم مرتكزات التدبير الجامعي، وهو شرعية المؤسسات التداولية. فمجالس المؤسسات الجامعية لا تستمد قوتها من القرارات التي تصدرها فقط، وإنما من سلامة المساطر التي سبقت اتخاذ تلك القرارات، لأن أي إخلال بحقوق الأعضاء في الاستدعاء أو المشاركة قد يفتح الباب أمام التشكيك في مشروعية المداولات برمتها.
وتضيف النقابة إلى ذلك ملاحظة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في عدم تعميم مشاريع محاضر الاجتماعات على أعضاء المجلس قبل اعتمادها، وعدم تمكينهم من الاطلاع على المحاضر النهائية بعد انعقاد الاجتماعات، وهو ما تعتبره إخلالاً بمبادئ الشفافية والتدبير التشاركي، ويحول دون ممارسة الأعضاء لحقهم في مراقبة صحة الوقائع والقرارات المدونة.
هذه التطورات تعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة داخل مؤسسات التعليم العالي، خاصة في مرحلة يفترض أن تكون فيها الجامعات نموذجاً في احترام القانون، وتكافؤ الفرص، والشفافية في اتخاذ القرار.
فالمؤسسات الجامعية ليست مجرد بنايات للتدريس، بل فضاءات لإنتاج المعرفة وترسيخ قيم الديمقراطية والمؤسسات، الأمر الذي يجعل أي شبهة تمس آليات اشتغالها ذات أثر يتجاوز حدود المؤسسة نفسها.
ولذلك، فإن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تُختزل في صراع إداري أو نقابي، بل تستوجب توضيحاً مؤسساتياً يبدد كل الشكوك، ويعيد الثقة في آليات اتخاذ القرار، سواء من خلال التأكد من سلامة الإجراءات المتبعة، أو تصحيح ما قد يكون قد شابها من اختلالات، إن ثبت وجودها.
فالقضية، في نهاية المطاف، ليست مجرد اجتماع لمجلس مؤسسة، ولا مجرد خلاف حول استدعاءات أو محاضر، بل هي اختبار حقيقي لمدى احترام قواعد الحكامة داخل مؤسسة يفترض أن تكرس قيم القانون والشفافية قبل أن تدرسها لطلبتها.
وعندما تصبح شرعية المساطر نفسها محل نقاش، فإن الأمر يستدعي معالجة مسؤولة تضع حماية المؤسسة ومصداقيتها فوق كل اعتبار، لأن الجامعات لا تبنى فقط بالمختبرات والقاعات، وإنما أيضاً بالثقة في مؤسساتها واحترام القانون الذي ينظمها.
تعليقات الزوار