هبة زووم – الرباط
تحولت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب إلى منصة لمساءلة واقع قطاع الصيد البحري، بعدما وجّه نواب من مختلف مكونات الأغلبية والمعارضة انتقادات متقاطعة إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، بشأن استمرار عدد من الاختلالات التي تعترض القطاع، وعلى رأسها تسويق جزء من المنتوجات البحرية خارج القنوات القانونية، وضعف شروط السلامة، وتأخر إنجاز مشاريع البنيات التحتية، إلى جانب المطالبة بتعزيز الحماية الاجتماعية لفائدة البحارة والصيادين التقليديين.
واستأثر ملف التصريح بكميات الإنتاج السمكي بحيز مهم من النقاش، إذ اعتبرت النائبة نادية بزندفة، عن فريق الأصالة والمعاصرة، أن المعطيات الرسمية لا تعكس الحجم الحقيقي للإنتاج، بسبب استمرار تسويق جزء من المصطادات خارج الموانئ والأسواق المنظمة، وهو ما ينعكس، بحسب تعبيرها، على شفافية القطاع ويحرم خزينة الدولة من مداخيل مهمة، حيث دعت إلى تشديد المراقبة وإحكام تتبع مسالك تسويق المنتوجات البحرية، بما يضمن احترام القانون وحماية الموارد المالية للدولة.
كما طالبت النائبة ذاتها بالإسراع في إخراج صفقة اقتناء سترات النجاة الخاصة بالبحارة، خاصة بإقليم آسفي، معتبرة أن استمرار التأخير يطرح إشكالاً يتعلق بسلامة المهنيين، إلى جانب دعوتها إلى إرساء إطار تعاقدي يضمن للبحارة التقليديين الاستفادة من الحقوق الاجتماعية والتغطية المرتبطة بالتشغيل.
ومن جانبه، سلط النائب عبد القادر الطاهر، عن الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية، الضوء على الوضعية التي يعيشها ميناء أصيلة، مشيراً إلى أن البحارة أطلقوا على مدخل الميناء تسمية “باب الموت”، في إشارة إلى تكرار الحوادث المميتة، وآخرها وفاة أحد البحارة خلال شهر ماي الماضي. وطالب ببرمجة عمليات دورية لجرف الرمال وتأمين ولوج قوارب الصيد إلى الميناء في ظروف آمنة.
ولم تقتصر الانتقادات على فرق المعارضة، إذ أثار ممثل فريق التجمع الوطني للأحرار بدوره الإكراهات التي تواجه قرية الصيادين بإمسوان، رغم تقديمها كنموذج في مجال الصيد التقليدي، مشيراً إلى محدودية مستودعات حفظ الأسماك، وتأخر مشروع توسيعها، وبطء توزيع المحركات المخصصة للبحارة، بما يؤثر على مردودية النشاط البحري بالمنطقة.
أما المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، فقد اعتبرت، على لسان النائبة فاطمة الزهراء باتا، أن تدبير القطاع ما يزال يعتمد، بحسب تعبيرها، رؤية لم تعد تواكب التحولات التي يعرفها الصيد البحري، مشيرة إلى أن برامج الدعم لا تحقق الإنصاف المطلوب، إذ تستفيد منها بدرجة أكبر المقاولات والفاعلون الكبار، بينما يواجه صغار المهنيين صعوبات مرتبطة بالدعم والمواكبة والحماية الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، وصف النائب عبد الرحيم بوعزة، عن فريق الأصالة والمعاصرة، أوضاع الصيادين التقليديين بإقليم شفشاون بـ”الصعبة”، مبرزاً أن فترات الراحة البيولوجية، رغم ضرورتها للحفاظ على الثروة السمكية، تحرم العديد من الأسر من موردها الوحيد، ما يفرض، حسب رأيه، اعتماد آليات للدعم الاجتماعي خلال هذه الفترات.
من جهتها، أثارت النائبة خديجة أروهال، عن فريق التقدم والاشتراكية، وضعية الصيادين بالأرجل، وجامعات الصدفيات، والنساء العاملات داخل التعاونيات، مؤكدة أن هذه الفئات تواجه مخاطر مهنية كبيرة، فضلاً عن افتقارها إلى فضاءات ملائمة لتسويق منتجاتها، واضطرار عدد منها إلى عرضها على جنبات الطرق، في غياب تجهيزات كافية وإطار قانوني يضمن حقوقها الاجتماعية والمهنية. كما دعت إلى تعزيز دعم التعاونيات النسائية، باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق الساحلية.
وكشفت المناقشات البرلمانية عن وجود توافق واسع بين مختلف الفرق السياسية على أن قطاع الصيد البحري، رغم ما يزخر به من إمكانات اقتصادية واستراتيجية، لا يزال يواجه تحديات هيكلية تتعلق بالحكامة، ومراقبة مسالك التسويق، وتحسين شروط السلامة، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز الحماية الاجتماعية لفائدة المهنيين، وهي ملفات تنتظر إجراءات عملية تترجم الالتزامات الحكومية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
تعليقات الزوار