تصميم التهيئة تحت المجهر.. هل تنتصر المنصوري للمصلحة العامة أم لضغوط اللوبي العقاري؟

هبة زووم – علال الصحراوي
تعيش مدينة مراكش مرحلة مفصلية مع اقتراب الحسم في عدد من الاختيارات العمرانية التي ستحدد ملامحها لعقود مقبلة، وسط تصاعد المخاوف من أن تتحول وثيقة تصميم التهيئة، التي يفترض أن تكون أداة لضبط النمو العمراني وتحقيق التوازن المجالي، إلى وسيلة لتمرير مصالح لوبيات العقار على حساب الحق الجماعي في مدينة متوازنة.
فمراكش ليست مجرد وعاء عقاري مفتوح أمام المضاربة، ولا رقعة إسمنتية قابلة لإعادة التشكيل وفق منطق الربح السريع، بل هي مدينة ذات قيمة تاريخية والحضارية والسياحية، راكمت على امتداد عقود رصيداً عمرانياً وثقافياً يجعل أي قرار يتعلق بمستقبلها مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الظرفية والانتخابية.
ويرى متابعون للشأن العمراني أن تصميم التهيئة ينبغي أن يشكل عقداً اجتماعياً يحفظ التوازن بين متطلبات الاستثمار وحماية جودة العيش، من خلال ضمان المساحات الخضراء، وتأمين التجهيزات العمومية، واحترام الطاقة الاستيعابية للأحياء، بدل الانزلاق نحو تكثيف عمراني يفرضه ضغط المنعشين العقاريين.
وتزداد هذه المخاوف مع استمرار الحديث عن ضغوط يمارسها فاعلون في القطاع العقاري من أجل إدخال تعديلات تخدم مشاريعهم الاستثمارية، وهو ما يطرح، وفق عدد من المهتمين، أسئلة حقيقية حول مدى صلابة المؤسسات المكلفة بالتخطيط العمراني في مواجهة نفوذ المال العقاري، وحول قدرتها على جعل المصلحة العامة فوق أي اعتبارات أخرى.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها المسؤولة الحكومية الأولى عن هذا الورش، حيث ترتفع مطالب بضرورة ضمان أكبر قدر من الشفافية في إعداد واعتماد تصميم التهيئة، وقطع الطريق أمام كل ما من شأنه تكريس الانطباع بأن القرارات العمرانية تخضع لضغوط لوبيات العقار بدل أن تستند إلى دراسات علمية ومصلحة المدينة.
فالتجارب السابقة في عدد من المدن المغربية أظهرت أن الرضوخ لمنطق المضاربة العقارية كانت له كلفة باهظة، تمثلت في اختناق الأحياء، وندرة الفضاءات الخضراء، والضغط على البنيات التحتية، وتراجع جودة الخدمات، وهي اختلالات ما تزال الجماعات الترابية تؤدي ثمنها إلى اليوم.
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد العمارات التي ترتفع في الأفق، ولا بحجم الأرباح التي يحققها المنعشون العقاريون، وإنما بقدرة المدينة على توفير شروط العيش الكريم لسكانها، وصون هويتها العمرانية، وتحقيق التوازن بين الاستثمار والبيئة والمجال.
واليوم، تقف مراكش أمام اختبار حقيقي؛ فإما أن تنتصر المؤسسات لمنطق التخطيط الرشيد الذي يضع الإنسان في صلب السياسات العمومية، وإما أن تتحول المدينة إلى فضاء تحكمه المضاربة العقارية، حيث تصبح الأراضي سلعة، والهوية العمرانية ضحية، والمصلحة العامة آخر الأولويات.
ويبقى الرهان المطروح هو أن تكون كل القرارات المرتبطة بتصميم التهيئة خاضعة للشفافية والرقابة واحترام القانون، لأن مستقبل مراكش لا ينبغي أن يرسم في مكاتب المستثمرين، بل وفق رؤية تنموية تحفظ للمدينة الحمراء مكانتها، وتصون حقوق أجيالها الحالية والقادمة، بعيدا عن أي شبهة تغليب للمصالح الخاصة على المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد