عرس كتامة يخرج من دفء المناسبة إلى حرارة السياسة ومضيان يعود إلى الواجهة وغياب المسؤولين يفتح باب الأسئلة
ح.ع – كتامة
لم يكن حفل الزفاف الذي احتضنته مدينة كتامة بإقليم الحسيمة، خلال الأيام الأخيرة، مجرد مناسبة اجتماعية عابرة كما يفترض أن تكون الأعراس في مختلف مناطق المغرب، بعدما وجد نفسه، بشكل غير مباشر، في قلب نقاش يتجاوز أجواء الاحتفال إلى تفاصيل المشهد السياسي والمحلي بالمنطقة.
فحضور القيادي الاستقلالي نور الدين مضيان، إلى جانب عدد من الوجوه والفعاليات المحسوبة على حزب الاستقلال، منح المناسبة حضوراً سياسياً لافتاً، وجعل منها محطة تستحق التوقف عندها، خصوصاً في ظل المرحلة التي بدأت فيها مختلف التنظيمات السياسية بإعادة ترتيب أوراقها وتقوية صلاتها بالقواعد المحلية استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
ولئن كان حضور السياسيين في الأعراس والمناسبات العائلية أمراً مألوفاً ولا يحتاج في حد ذاته إلى تفسير سياسي، فإن السياق الذي تأتي فيه المناسبة، وطبيعة الشخصيات الحاضرة، والحضور اللافت لبعض الفعاليات الحزبية، كلها عناصر دفعت عدداً من المتابعين للشأن المحلي إلى التساؤل عما إذا كانت المناسبة قد تحولت، ولو بشكل غير معلن، إلى فضاء للتواصل السياسي واستعادة العلاقات مع القواعد والأنصار.
هذا، ويحظى نور الدين مضيان بحضور معروف داخل المشهد السياسي المحلي، وبشبكة من العلاقات التي راكمها على مدى سنوات من العمل السياسي والحزبي.
ولذلك، فإن ظهوره في مناسبة اجتماعية بكتامة لا يمكن، من الناحية الصحفية، اختزاله في كونه مجرد حضور عابر، كما لا يمكن في المقابل اعتباره دليلاً تلقائياً على وجود تحرك انتخابي أو تنظيمي.
المسألة تقع في المنطقة الرمادية بين الأمرين، فالمناسبات الاجتماعية، في المناطق التي تتميز بترابط العلاقات العائلية والقبلية والاجتماعية، ظلت تاريخياً واحدة من أهم فضاءات التواصل بين السياسيين والمواطنين، بعيداً عن القاعات الحزبية والاجتماعات الرسمية.
وفي مثل هذه المناسبات، تختفي أحياناً الحدود التقليدية بين الاجتماعي والسياسي، وتتحول المصافحة واللقاءات الجانبية والنقاشات غير الرسمية إلى وسيلة لإعادة بناء جسور التواصل مع الفاعلين المحليين، وهذا بالضبط ما جعل حضور مضيان محط اهتمام ومتابعة محلية.
المثير في هذه المناسبة، وفق معطيات متداولة محلياً، ليس حضور شخصية سياسية واحدة، وإنما ظهور عدد من الوجوه والفعاليات المرتبطة بحزب الاستقلال، في مشهد اعتبره متابعون انعكاساً للدينامية التي تعرفها المنطقة.
فالأحزاب السياسية، كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، تعود عادة إلى البحث عن شبكاتها المحلية، وإعادة ترتيب علاقاتها مع الأعيان والفاعلين والمنتخبين والوجهاء، خصوصاً في المناطق التي تظل فيها العلاقات الشخصية والاجتماعية ذات تأثير كبير في تحديد اتجاهات التصويت.
ومن هذه الزاوية، يصبح حضور سياسي بارز في مناسبة اجتماعية محلية أكثر من مجرد صورة عابرة؛ إنه، على الأقل، مؤشر على استمرار التواصل السياسي خارج القنوات التنظيمية الرسمية، لكن تحويل هذا المؤشر إلى استنتاج انتخابي حاسم يبقى أمراً يحتاج إلى معطيات إضافية.
في الجهة المقابلة من المشهد، برز سؤال آخر أكثر حساسية يتعلق بغياب عدد من المسؤولين الترابيين عن بعض المناسبات والاستحقاقات التي تعرفها كتامة، وفق ما يثيره متابعون محليون.
فغياب عامل الإقليم أو رئيس الدائرة أو ممثلي السلطات المحلية عن مناسبة معينة لا يعني بالضرورة وجود تقصير أو موقف سياسي، إذ إن حضور المسؤولين يخضع لطبيعة المناسبة والمهام الرسمية والبرامج والالتزامات الإدارية.
لكن السؤال الذي يطرحه المتابعون يتجاوز المناسبة في حد ذاتها إلى طبيعة الحضور الترابي في منطقة لها خصوصيتها الاجتماعية والسياسية، هل تواكب الإدارة الترابية الحياة المحلية بالقدر الكافي؟ هل توجد آليات منتظمة للتواصل مع مختلف الفاعلين؟ وهل تحافظ السلطة المحلية على المسافة نفسها من جميع التنظيمات والقوى السياسية؟
هذه الأسئلة تكتسي أهمية أكبر كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، لأن حياد الإدارة الترابية لا يقاس فقط بغياب التدخل المباشر في العملية السياسية، وإنما أيضاً بصورة الحياد التي تقدمها للمواطنين وللفاعلين المحليين.
وفي خضم هذا النقاش، ينبغي التفريق بين أمرين، الأول هو الحياد السياسي للإدارة الترابية، وهو مبدأ لا يحتمل التأويل، ويقتضي التعامل مع مختلف الفاعلين وفق القانون وعلى قدم المساواة.
والثاني هو الحضور الإداري في المجال الترابي، الذي لا يعني بالضرورة الانخراط في الحياة الحزبية، وإنما يتعلق بمدى قرب الإدارة من المواطنين ومواكبتها لانشغالاتهم ومناسباتهم وقضاياهم المحلية.
وبالتالي، فإن المطلوب ليس أن تتحول السلطة إلى طرف في المناسبات السياسية والاجتماعية، وإنما أن تكون حاضرة بالقدر الذي تقتضيه مهامها، مع الحفاظ على مسافة واضحة من جميع الأحزاب والتيارات.
فالسلطة التي تغيب عن المشهد المحلي بشكل كامل قد تُتهم بالابتعاد عن المواطنين، بينما السلطة التي تظهر بشكل انتقائي في محيط فاعل سياسي دون غيره قد تفتح الباب أمام تأويلات لا تخدم صورتها ولا ثقة المواطنين فيها.
وتكشف هذه الواقعة، في نهاية المطاف، عن شيء أكبر من مجرد حضور شخصية سياسية في حفل زفاف، إنها تعكس طبيعة الحياة السياسية في المناطق التي تتشابك فيها العلاقات الاجتماعية بالعلاقات الحزبية، حيث يمكن لمناسبة عائلية أن تصبح فضاءً للتواصل، ويمكن لحضور سياسي أن يتحول إلى رسالة غير مباشرة، كما يمكن لغياب مسؤول إداري أن يثير أسئلة تتجاوز المناسبة نفسها.
وفي كتامة، حيث تتقاطع الحسابات الاجتماعية والسياسية والمحلية، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مفتوحة على مزيد من الحركية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وعودة الأحزاب إلى البحث عن مواقعها داخل الخريطة المحلية، لكن الأهم من كل ذلك هو ألا تتحول هذه الدينامية إلى مجال لخلط الأدوار.
فالحزب له مجاله، والسياسي له حساباته، والمنتخب له مسؤولياته، بينما الإدارة الترابية مطالبة بأن تظل فوق الاصطفافات، حاضرة في الميدان، وقريبة من المواطنين، لكن من دون أن تصبح جزءاً من المنافسة السياسية.
ربما كان الحفل مجرد عرس، وربما كان الحضور السياسي مجرد امتداد طبيعي لعلاقات اجتماعية قديمة، لكن السياسة، في كثير من الأحيان، لا تبدأ من المنصات الرسمية، ولا تنتهي عند أبواب المقرات الحزبية.
وقد تبدأ من مصافحة في عرس، أو لقاء عابر، أو تجمع عائلي، أو مناسبة اجتماعية تتحول، بحكم طبيعة الحاضرين والسياق العام، إلى مساحة لإعادة ترتيب العلاقات وبناء النفوذ.
لهذا، فإن صورة عرس كتامة لا تستحق أن تُقرأ فقط من زاوية من حضر ومن غاب، وإنما من زاوية أوسع: كيف تتحرك السياسة في الهامش الاجتماعي؟ وكيف تتعامل الإدارة الترابية مع هذا الحراك؟ وأين تبدأ الحدود بين التواصل الاجتماعي والعمل السياسي؟
أسئلة ستظل مفتوحة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، فيما تبقى الإجابة عنها رهينة بما ستكشفه الأيام القادمة من تحركات واصطفافات داخل المشهد المحلي بإقليم الحسيمة.