اليحياوي يقرأ مفارقة الحوثيين والخليج: مليارات السلاح أمام جماعة تصنع المسيّرات والصواريخ

هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تعكس اهتمامه المتواصل بتحولات الصراع في الشرق الأوسط، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى الملف اليمني والخليجي، متوقفاً عند المفارقة التي يرى أنها باتت أكثر وضوحاً: دول خليجية تمتلك إمكانات مالية وعسكرية ضخمة، في مقابل جماعة حوثية استطاعت، رغم محدودية مواردها مقارنة بخصومها، تطوير قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وفرض نفسها لاعباً مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي.
ويأتي تعليق اليحياوي في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً حاداً؛ إذ أعلنت السعودية، اليوم السبت، اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض، بينما تحدث الحوثيون عن استهداف مواقع «حساسة» في العاصمة ومنشأة تابعة لأرامكو في ينبع، وهي ادعاءات لم تؤكدها السلطات السعودية بشكل كامل.
ويضع اليحياوي هذه التطورات في إطار سؤال أكبر حول مفهوم القوة، متسائلاً كيف يمكن لدول تنفق مليارات الدولارات على التسلح والحماية الخارجية أن تجد نفسها أمام جماعة مسلحة قادرة على تهديد منشآت حيوية وممرات بحرية استراتيجية.
ويقول الباحث إن السعودية ودول الخليج، رغم ما يصفه بـ«أموال قارون» و«السلاح المكدس» والحماية الأميركية، لم تستطع ـ وفق قراءته ـ تحقيق قدرة ردع حاسمة تجاه الحوثيين، بينما تمكنت الجماعة من تطوير قدرات عسكرية محلية تشمل المسيّرات والصواريخ.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في ضوء التطورات الأخيرة حول باب المندب، فقد أفادت تقارير بأن الحوثيين عززوا سيطرتهم على مناطق استراتيجية في الساحل الغربي لليمن، بما يزيد الضغط على أحد أهم الممرات البحرية العالمية. كما اعتبرت تقارير تحليلية أن هذا التطور كشف محدودية قدرة القوات المدعومة سعودياً على احتواء التقدم الحوثي.
غير أن الصورة، كما تكشفها المعطيات المتاحة، لا تختزل ببساطة في مواجهة بين «أغنياء» و«حفاة»، كما يصوغها اليحياوي، فالقدرات العسكرية الحوثية لم تتطور في فراغ، إذ تشير تقارير متعددة إلى حصول الجماعة على دعم إيراني شمل التمويل والسلاح والخبرة والتكنولوجيا، فيما تنفي طهران أنها تدير العمليات الحوثية بصورة مباشرة.
وهذه النقطة تحديداً حاضرة في تدوينة اليحياوي، الذي لا ينفي الطابع الإيراني في المعادلة، بل يقر صراحة بأن الحوثيين «تدعمهم إيران» وأنهم «يخدمون أجندتها»، قبل أن يصفهم في الوقت نفسه بالميليشيات ويشير إلى انتمائهم المذهبي الشيعي.
لكن أهمية طرحه لا تتوقف عند توصيف العلاقة بين الحوثيين وإيران، بل تمتد إلى مساءلة مفهوم القوة الخليجية نفسها: هل تكفي ترسانة ضخمة من الأسلحة المستوردة لصناعة قوة عسكرية مستقلة؟ وهل يمكن لشراء أحدث المنظومات الدفاعية أن يعوض غياب القدرة على تطوير التكنولوجيا العسكرية محلياً؟
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن السعودية نفسها تواجه تحديات حقيقية في مجال الدفاع الجوي؛ فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الرياض طلبت مساعدة عسكرية من دول من بينها فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، في ظل ضغوط على مخزون الصواريخ الاعتراضية.
وفي هذا السياق، تبدو مفارقة اليحياوي أكثر ارتباطاً بالسؤال عن نوعية القوة لا بحجم الإنفاق وحده: كيف تمكنت جماعة محدودة الموارد من تحويل الجغرافيا اليمنية والموقع الاستراتيجي لباب المندب إلى ورقة ضغط على السعودية وعلى حركة التجارة والطاقة العالمية؟
كما أن التطورات الأخيرة أعادت إلى الواجهة مسألة الحماية الأميركية، فالتقارير تشير إلى أن واشنطن لم تنخرط بشكل مباشر في دعم عسكري واسع للسعودية خلال التصعيد الحالي، الأمر الذي دفع الرياض إلى البحث عن شركاء إقليميين ودوليين آخرين.
ويستحضر اليحياوي في نهاية تدوينته البعد الديني في تفسيره لصعود الحوثيين، مستشهداً بعبارة «يضع سره في أضعف خلقه»، في محاولة لقراءة المفارقة بين الصورة التقليدية للجماعة المسلحة وبين قدرتها المتزايدة على التأثير في موازين القوى.
غير أن التطورات الميدانية تقدم في الوقت نفسه درساً أكثر تعقيداً: القوة لا تقاس فقط بحجم الموازنات العسكرية، ولا بعدد الطائرات والصواريخ المشتراة، وإنما أيضاً بالقدرة على التصنيع والتطوير، وبالاستعداد الاستخباراتي، وبالتماسك السياسي للقوى التي تخوض الحرب.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي يسلط عليها اليحياوي الضوء: دول تملك المال والسلاح والتحالفات، وجماعة مسلحة تملك الجغرافيا والإرادة القتالية والدعم الخارجي والقدرة على استثمار التكنولوجيا المتاحة لها.
وبين هذه العناصر، يظل السؤال مفتوحاً: هل كشفت حرب اليمن حدود نموذج الأمن الخليجي القائم على شراء السلاح والحماية الخارجية، أم أن ما يجري ليس سوى مرحلة جديدة من صراع إقليمي أعقد بكثير من اختزاله في معادلة «الغني في مواجهة الفقير»؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد