مقعد وادي الذهب يشعل الجدل والجماني يسأل: هل تطابقت المحاضر مع النتائج المعلنة؟

هبة زووم – علال الصحراوي
لم تنتهِ انتخابات 23 شتنبر بجهة الداخلة وادي الذهب بمجرد الإعلان عن النتائج، بل يبدو أن ما بعد النتائج قد يكون أكثر إثارة من يوم الاقتراع نفسه، بعدما خرج سيدي صلوح الجماني، مرشح حزب الحركة الشعبية بإقليم وادي الذهب، باعتراض مؤسساتي على الطريقة التي جرى بها تجميع النتائج والإعلان عنها، معلناً احتفاظه بحقه في اللجوء إلى القضاء داخل الآجال القانونية.
وبحسب المعطيات المنشورة، حل الجماني في المرتبة الثالثة على مستوى دائرة وادي الذهب، خلف أمبارك حمية عن حزب الاستقلال والخطاط ينجا عن حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما أخرجه من السباق على المقعد البرلماني.
لكن الجماني لا يقدم اعتراضه باعتباره مجرد خسارة انتخابية، بل يضع علامات استفهام حول مسار إعلان النتائج وتوقيتها ومصادر بعض المعطيات المتداولة ومدى تطابقها مع المحاضر الرسمية.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية، فإذا كانت صناديق الاقتراع قد قالت كلمتها، وإذا كانت المحاضر هي الوثيقة المرجعية التي يفترض أن تحسم ترتيب المرشحين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تتطابق الأرقام التي تم الإعلان عنها مع ما سجلته مكاتب التصويت فعلاً؟
الجماني، وفق البيان المنسوب إليه، لا يطعن مسبقاً في المؤسسات ولا يعلن رفضه لإرادة الناخبين، وإنما يطالب بكشف كيفية تجميع النتائج وإتاحة المعطيات التفصيلية والمحاضر، بما يسمح للمرشحين وممثلي الأحزاب بمراجعتها ومقارنتها بما تم تسجيله داخل مكاتب التصويت، وهو مطلب، في جوهره، لا يفترض وجود تلاعب، لكنه يطالب بإزالة أي لبس يمكن أن يحيط بعملية الإعلان عن النتائج.
الخطاط في البرلمان.. والجماني خارج الحسابات
المفارقة أن حزب الحركة الشعبية كان قد أعلن، في الساعات الأولى التي أعقبت الاقتراع، فوز مرشحه سيدي صلوح الجماني بمقعد عن دائرة وادي الذهب، قبل أن تستقر المعطيات المعلنة لاحقاً على نتيجة مختلفة، فقد ذكرت مصادر إعلامية أن الحركة الشعبية كانت تعتبر الجماني من بين مرشحيها الفائزين، قبل أن تظهر النتائج التي أخرجته من دائرة الفائزين.
وفي المقابل، انتهت النتائج المعلنة إلى فوز أمبارك حمية بالمقعد الأول والخطاط ينجا بالمقعد الثاني، وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في قراءة سياسية للنتيجة، بل بسؤال تقني وقانوني دقيق: كيف انتقلت المعطيات من مرحلة كان فيها الجماني محسوباً ضمن الفائزين إلى نتيجة نهائية تضعه في المرتبة الثالثة؟
هذا السؤال لا تجيب عنه البيانات السياسية، وإنما تجيب عنه المحاضر التفصيلية ومسارات التجميع والإحصاء.
علي خليل.. هل هو مجرد اسم في خلفية المشهد؟
الأكثر حساسية في هذه القضية هو ما يثار حول دور والي جهة الداخلة وادي الذهب، علي خليل، في تدبير العملية الانتخابية.
غير أن القول إن الوالي «انتزع» المقعد لفائدة الخطاط، أو أنه «طبخ» النتيجة، يظل اتهاماً يحتاج إلى أدلة ملموسة، ولا يمكن تحويله إلى حقيقة بمجرد وجود خلاف حول النتائج.
لكن في المقابل، فإن موقع الوالي باعتباره ممثل السلطة التنفيذية على مستوى الجهة يجعل أي اعتراض جدي على شفافية المسار الانتخابي جديراً بالتوضيح المؤسساتي، خصوصاً عندما يعلن مرشح بشكل صريح أنه يملك تحفظات على طريقة تجميع النتائج والإعلان عنها.
والسؤال هنا ليس: هل علي خليل هو من غيّر النتيجة؟ بل السؤال الأكثر مهنية ودقة هو: هل كانت عملية تجميع وإعلان نتائج دائرة وادي الذهب مطابقة حرفياً للمحاضر الصادرة عن مكاتب التصويت؟ ومن هي الجهات التي شاركت في مراحل التجميع والمصادقة والإعلان؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فإن نشر المعطيات التفصيلية والمحاضر من شأنه أن ينهي الجدل، أما إذا كانت هناك اختلافات بين ما سجلته المكاتب وما تم الإعلان عنه، فإن القانون يظل هو الطريق الطبيعي لتحديد المسؤوليات والآثار المترتبة عنها.
الجماني يلوح بالقضاء.. والملف يدخل مرحلة أخرى
اللافت في موقف الجماني أنه لم يعلن رفضه للنتائج بشكل نهائي، بل أكد احترامه لإرادة الناخبين، مع احتفاظه بحقه في سلوك المساطر القضائية، وهذا التفصيل مهم، لأنه ينقل القضية من مستوى التراشق السياسي إلى مستوى الوثائق والمحاضر والطعون.
فالانتخابات لا تحسمها الانطباعات، ولا عدد المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تصريحات المرشحين، وإنما تحسمها النتائج الموثقة في المحاضر والمساطر القانونية التي تنظم الطعن فيها.
ومن هذه الزاوية، يصبح اعتراض الجماني فرصة لاختبار مدى قدرة المؤسسات على تقديم جواب واضح حول كل نقطة أثارها، بعيداً عن منطق «لقد خسر وانتهى الأمر».
المقعد لمن؟ للصندوق أم للمحضر؟
في نهاية المطاف، فإن المعركة الحقيقية في الداخلة ليست فقط حول اسم النائب الذي سيجلس تحت قبة البرلمان، وإنما حول السؤال الأهم: كيف وصل ذلك الاسم إلى المقعد؟
هل قالت صناديق وادي الذهب كلمتها منذ البداية لفائدة حمية والخطاط، ثم وقع سوء فهم في إعلان النتائج الأولية؟ أم أن المعطيات الأولية التي وصلت إلى الأحزاب والمرشحين كانت مختلفة عن النتيجة التي استقرت عليها عملية الإحصاء؟ وهل توجد فروق، ولو محدودة، بين محاضر مكاتب التصويت والنتائج المجمعة؟
ثم، في مستوى آخر، هل توجد أي وثائق تثبت ادعاءات التدخل أو التأثير من طرف أي مسؤول ترابي، أم أن الأمر لا يتجاوز استنتاجات سياسية مرتبطة بنتيجة انتخابية متنازع بشأنها؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تجيب عنها الحملات المضادة ولا الاتهامات المتبادلة، وإنما المحاضر والوثائق والمساطر القضائية.
وبين فوز الخطاط ينجا، وخروج سيدي صلوح الجماني من سباق المقعد، والاعتراضات التي أثارها الأخير، يبقى الباب مفتوحاً أمام القضاء والمؤسسات المختصة لتحديد ما إذا كانت النتائج المعلنة تعكس فعلاً ما أفرزته صناديق الاقتراع.
ففي الانتخابات، قد يخسر المرشح، وهذا جزء من اللعبة الديمقراطية، لكن ما لا ينبغي أن يخسره المواطن هو حقه في معرفة كيف تحولت أصواته إلى نتيجة نهائية، ومن خلال أي محضر، وأي مسطرة، وأي عملية تجميع.
وإذا كانت النتيجة سليمة، فإن الشفافية هي أقصر طريق لإسكات الشكوك، أما إذا كانت هناك اختلالات موثقة، فالقانون وحده ينبغي أن يحدد المسؤوليات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد