الكنبوري يفتح ملف الأحزاب التاريخية: من إرث بوستة واليوسفي ويعته إلى سؤال الدور السياسي اليوم

هبة زووم – الرباط
فتح الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري نقاشاً سياسياً واسعاً حول وضعية عدد من الأحزاب المغربية التي ارتبط تاريخها السياسي بأسماء وازنة من قبيل محمد بوستة وعبد الرحمان اليوسفي وعلي يعته، معتبراً أن هذه التنظيمات انتقلت، في تقديره، من موقع سياسي مؤثر إلى موقع مختلف داخل المشهد الحزبي الحالي.
وفي تدوينة له، ذهب الكنبوري إلى أن حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية فقدت، بعد رحيل قياداتها التاريخية، جزءاً كبيراً من ثقلها السياسي والرمزي، معتبراً أن التحولات التي عرفها المشهد الحزبي جعلت هذه الأحزاب، بحسب قراءته، تقترب من المواقع التي كانت تشغلها في السابق أحزاب الإدارة.
ويستند الكنبوري في قراءته إلى مقارنة بين زمن كانت فيه هذه الأحزاب تطرح شروطاً سياسية للمشاركة في الحكومات، وبين واقع اليوم الذي أصبحت فيه المشاركة الحكومية جزءاً من المشاورات الجارية بين قيادة الأحزاب ورئيسة الحكومة المكلفة.
غير أن المعطى السياسي الحالي يحتاج إلى قدر من التدقيق. فحزب الاستقلال، الذي حل ثالثاً وطنياً بـ65 مقعداً في انتخابات 23 شتنبر 2026، دخل بالفعل في مشاورات تشكيل الحكومة مع رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري، لكن أمينه العام نزار بركة أعلن، عقب لقاء 30 شتنبر، أن قرار المشاركة لم يكن قد حُسم بعد، وأن الأمر سيُعرض على المجلس الوطني للحزب.
وهذا المعطى يجعل النقاش أكثر تعقيداً من مجرد القول إن حزب الاستقلال أعلن مشاركته في الحكومة قبل أن يُطلب منه ذلك؛ فالمسار المعلن رسمياً وإعلامياً كان لا يزال في مرحلة المشاورات وتقييم العرض السياسي قبل الحسم المؤسساتي داخل الحزب.
من بوستة واليوسفي ويعته إلى قيادات اليوم
الزاوية الأكثر إثارة في تدوينة الكنبوري تتمثل في استحضاره للأسماء التاريخية التي طبعت مرحلة كاملة من الحياة السياسية المغربية.
ففي سنة 1992، جمعت وثيقة تأسيس الكتلة الديمقراطية كلاً من محمد بوستة عن حزب الاستقلال، وعبد الرحمان اليوسفي عن الاتحاد الاشتراكي، وعلي يعته عن التقدم والاشتراكية، إلى جانب تنظيمات سياسية أخرى، وتظهر الوثيقة الرسمية المنشورة على موقع الاتحاد الاشتراكي حجم الحضور السياسي الذي كانت تمثله تلك القيادات في تلك المرحلة.
كما أن التاريخ السياسي لحزب الاستقلال نفسه يكشف أن الحزب لم يكن مجرد تنظيم يبحث عن موقع حكومي، بل شارك في محطات تفاوضية وسياسية كبرى، من بينها مذكرات الإصلاح السياسي والدستوري التي قدمها مع الاتحاد الاشتراكي في تسعينيات القرن الماضي، قبل مشاركته في حكومة عبد الرحمان اليوسفي سنة 1998.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه تدوينة الكنبوري لا يتعلق فقط بأسماء الأمناء العامين الحاليين، وإنما بطبيعة التحول الذي عرفته وظيفة الحزب السياسي نفسه: هل ما زالت الأحزاب التاريخية تقدم للمجتمع مشروعاً سياسياً واضحاً، أم أصبحت الأولوية هي ضمان الحضور داخل المؤسسات والحكومات؟
أرقام الانتخابات تفرض قراءة أكثر تركيباً
النتائج الانتخابية الأخيرة تقدم بدورها صورة لا يمكن اختزالها في فكرة «النهاية»، فحزب الاستقلال حصل على 65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، مقابل 97 للأصالة والمعاصرة و66 للتجمع الوطني للأحرار. كما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً.
الأرقام تكشف تراجعاً انتخابياً بالنسبة لبعض هذه الأحزاب مقارنة بنتائج 2021، لكنها لا تعني قانونياً أو سياسياً اختفاءها من المشهد. بل إن حزب الاستقلال لا يزال ثالث قوة برلمانية، والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يحتفظان بتمثيلية داخل مجلس النواب.
لذلك، فإن توصيف الكنبوري لهذه الأحزاب بأنها «انتهت» يظل حكماً سياسياً وفكرياً يستحق النقاش، وليس نتيجة يمكن استخلاصها مباشرة من أرقام الانتخابات.
علال الفاسي.. بين الرمز والممارسة
أكثر أجزاء التدوينة حدة هو ذلك المتعلق بعلال الفاسي، حيث يقارن الكنبوري بين حضور صورته داخل حزب الاستقلال وبين ما يعتبره اختلافاً في توظيف إرثه الفكري والسياسي.
وهنا ينتقل النقاش من النتائج الانتخابية إلى سؤال أعمق: ماذا بقي من المرجعيات المؤسسة للأحزاب داخل خطابها وممارستها السياسية؟
فالأحزاب التاريخية لا تواجه فقط تحدي عدد المقاعد، وإنما تواجه سؤال تجديد الخطاب والقيادات والبرامج، وإعادة بناء الصلة بالمجتمع، خصوصاً في ظل تغير انتظارات الناخبين وتراجع الثقة في المؤسسات الحزبية.
وإذا كان الكنبوري يرى أن هذه الأحزاب فقدت جزءاً من هويتها التاريخية، فإن الرد السياسي على هذا الحكم لا يمكن أن يكون بمجرد الدفاع عن الماضي، بل عبر سؤال أكثر عملية: ما المشروع الذي تقدمه هذه التنظيمات اليوم؟ وما الذي يميزها عن غيرها في قضايا الاقتصاد والمجتمع والدولة والعدالة الاجتماعية؟
بين إرث التاريخ وامتحان الحاضر
تكمن قوة النقاش الذي أثارته تدوينة الكنبوري في أنها تعيد وضع الأحزاب التاريخية أمام مرآة صعبة: ليس المطلوب فقط أن تستحضر أسماء مؤسسيها وقياداتها السابقة، وإنما أن تثبت قدرتها على إنتاج أفكار وقيادات وبرامج تستجيب لأسئلة الحاضر.
فالتاريخ السياسي يمنح الحزب رصيداً رمزياً، لكنه لا يضمن وحده الاستمرار. كما أن عدد المقاعد البرلمانية لا يكفي، بمفرده، للحكم على قوة حزب أو ضعفه خارج المؤسسة التشريعية.
وبين إرث بوستة واليوسفي ويعته وواقع المشاورات الحكومية الحالية، يبدو أن السؤال الحقيقي الذي تطرحه تدوينة الكنبوري يتجاوز الأشخاص: هل تستطيع الأحزاب التاريخية إعادة تعريف أدوارها في مشهد سياسي تغيرت فيه موازين القوى، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض عليها الاكتفاء بالتكيف مع خريطة سياسية جديدة؟ ذلك هو الاختبار الذي ستكشفه الممارسة، وليس فقط الخطابات والتدوينات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد