هبة زووم – الجديدة
في الوقت الذي تتجه فيه السياسات العمومية إلى تحديث أسواق الجملة وتعزيز شفافية تسويق المنتجات الفلاحية، تقدم وضعية سوق الجملة للخضر والفواكه بمدينة الجديدة صورة تطرح أسئلة محرجة حول نجاعة التدبير المحلي، وحماية مصالح الفلاحين والتجار والمستهلكين، ومدى قدرة الجهات المسؤولة على وضع حد لاختلالات تتكرر داخل مرفق حيوي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والقدرة الشرائية.
فبحسب المعطيات المتداولة محلياً، لا يزال السوق القديم، الموجود بالقرب من المستشفى الإقليمي محمد الخامس، يستقبل أنشطة تسويق الخضر والفواكه في ظروف توصف بالعشوائية، في وقت ظلت فيه بناية جديدة، أُنجزت في إطار شراكة بين جماعتي الجديدة ومولاي عبد الله بكلفة إجمالية قُدرت بنحو 6 ملايير سنتيم، خارج الخدمة لسنوات طويلة.
وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد تأخر إداري عابر، بل بملف يستوجب كشف حقيقة التعثر، وتحديد المسؤوليات، وتوضيح أسباب استمرار استغلال فضاء قديم، مقابل عدم تشغيل منشأة حديثة يُفترض أن تساهم في تنظيم القطاع وتحسين ظروف العمل والتسويق.
سوق قديم يغرق في الفوضى.. أين المراقبة؟
وتثير وضعية السوق الحالي، وفق المعطيات المتداولة، مخاوف بشأن مدى احترام شروط التنظيم والسلامة والنظافة، في ظل انتشار فضاءات عشوائية وأكشاك وبراريك، وما يرافق ذلك من تساؤلات حول تدبير النفايات، وتنظيم حركة البضائع، ومراقبة عمليات البيع والوزن.
وتزداد خطورة هذه الإشكالات مع الحديث عن غياب الميزان القانوني عند مدخل السوق، وهي نقطة تستدعي توضيحاً رسمياً من الجهات المختصة، بالنظر إلى أهمية الوزن الدقيق في حماية حقوق الفلاحين والتجار وضمان شفافية المعاملات.
فكيف يمكن الحديث عن سوق منظم، إذا لم تكن آليات المراقبة والوزن والتوثيق واضحة ومتاحة للمتعاملين؟ ومن يضمن للفلاح أن الكميات التي يدخل بها إلى السوق تُوزن وفق معايير قانونية، وأن معاملاته تتم في ظروف تحفظ حقوقه؟
إن غياب الشفافية في مثل هذه المرافق يفتح المجال أمام النزاعات والاختلالات، ويجعل الحاجة ملحة إلى مراقبة منتظمة، ونظام واضح لتتبع المنتجات والمعاملات، وآليات للتظلم تتيح للمتضررين تقديم شكاياتهم دون عراقيل.
“الشناقة” ووسطاء السوق.. من يضبط قواعد اللعبة؟
ومن بين الانتقادات التي يثيرها عدد من المتعاملين في أسواق الجملة، ما يتعلق بنفوذ الوسطاء والسماسرة، المعروفين محلياً باسم «الشناقة»، وما يُثار بشأن تأثيرهم على مسار البيع وتحديد الأسعار.
وفي حالة سوق الجديدة، تطرح هذه المعطيات سؤالاً حول مدى تكافؤ الفرص بين الفلاحين والوسطاء والتجار، ومدى قدرة إدارة السوق والجهات الرقابية على منع أي ممارسات من شأنها الإضرار بحرية المعاملات أو الضغط على المنتجين.
وتكمن خطورة هذه الإشكالات في احتمال اتساع الفارق بين السعر الذي يبيع به الفلاح محصوله والسعر الذي يقتني به التاجر البضاعة، بما قد ينعكس على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.
لكن تحديد المسؤولية عن هذا الفارق يتطلب معطيات دقيقة حول تكاليف النقل والتخزين والوساطة وهوامش الربح، إلى جانب مراقبة المنافسة والتأكد من عدم وجود ممارسات غير مشروعة، ولذلك، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات، بل فتح تحقيق إداري ومهني في طريقة اشتغال السوق، ونشر نتائج المراقبة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة إذا ثبتت مخالفات.
أما الحديث عن استفادة مسؤولين من استمرار الوضع القائم أو وجود تواطؤ لحماية مصالح معينة، فيظل ادعاءً يحتاج إلى أدلة موثقة وتحقيق من الجهات المختصة، ولا يجوز اعتباره حقيقة محسومة دون إثبات.
6 ملايير سنتيم.. لماذا بقي المشروع الجديد خارج الخدمة؟
تتجه الأنظار إلى البناية الجديدة الواقعة ضمن نفوذ جماعة مولاي عبد الله، والتي قُدرت كلفتها الإجمالية بنحو 6 ملايير سنتيم، في ظل الحديث عن بلوغ الأشغال مراحل متقدمة، مقابل استمرار تعثر افتتاح السوق.
وتشير المعطيات المتداولة إلى جملة من العراقيل، من بينها تأخر الربط بالشبكات الأساسية، ولا سيما الماء والكهرباء والتطهير السائل، فضلاً عن متطلبات مرتبطة بالنظام المعلوماتي الرقمي لتتبع المنتجات، وعدم الحسم النهائي في صيغة تدبير المرفق والصفقات المرتبطة بتسييره.
وإذا كانت هذه الأسباب تفسر جانباً من التأخير، فإنها لا تعفي الجهات المسؤولة من واجب تقديم توضيحات دقيقة بشأن المراحل التي بلغها المشروع، وما تبقى من أشغال وتجهيزات، والآجال المحددة لاستكمال الربط بالشبكات، والشروط المطلوبة للانتقال إلى الاستغلال الفعلي.
فمشروع بهذا الحجم لا ينبغي أن يظل رهيناً لتبادل المسؤوليات بين المتدخلين، بينما يستمر السوق القديم في استقبال الفلاحين والتجار وسط الإشكالات نفسها.
ومن حق الرأي العام أن يعرف: ما الجهة المسؤولة عن كل مرحلة من مراحل التأخير؟ وهل جرى تحديد جدول زمني ملزم لافتتاح السوق؟ وما مصير الأموال التي رُصدت لإنجاز هذا المرفق إذا استمر تعطيله؟ وهل أُنجزت دراسة واضحة لكلفة التأخر على الجماعتين والمتعاملين والساكنة؟
قرب المستشفى الإقليمي.. مخاوف صحية وبيئية تستوجب المعالجة
ولا تتوقف تداعيات استمرار السوق القديم عند الجوانب التجارية والتنظيمية، بل تمتد إلى محيطه الحضري، بالنظر إلى قربه من المستشفى الإقليمي محمد الخامس.
فالنفايات المتراكمة، والروائح الكريهة، والضوضاء، وحركة الشاحنات والمركبات، كلها عوامل تستدعي تقييماً ميدانياً لتحديد مدى تأثيرها على المرضى والمرتفقين والعاملين بالمستشفى والساكنة المجاورة.
ولا يمكن الجزم بحجم الأضرار الصحية دون تقارير أو معاينات مختصة، لكن مجرد وجود مخاوف مرتبطة بالنظافة والضوضاء في محيط مؤسسة استشفائية يفرض تدخلاً جدياً من الجهات المعنية، من خلال تكثيف المراقبة، وتحسين تدبير النفايات، واحترام شروط الصحة والسلامة، والعمل على إيجاد حل مستدام لوضعية السوق.
فهل أُنجزت تقارير بيئية أو صحية بشأن محيط السوق؟ وهل توجد مراقبة منتظمة لشروط النظافة وتدبير المخلفات؟ وما التدابير المتخذة لتفادي أي تأثير محتمل على المرضى والساكنة؟
الجديدة أمام امتحان المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة
إن ملف سوق الجملة للخضر والفواكه بالجديدة يضع الجماعتين المعنيتين، والجهات المكلفة بالتدبير والمراقبة، أمام مسؤولية تقديم أجوبة واضحة بشأن مشروع ظل متعثراً لسنوات، وسوق قديم تثار حوله انتقادات تتعلق بالتنظيم والنظافة والشفافية.
والمطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو البحث عن كبش فداء، بل كشف الحقيقة كاملة: نشر المعطيات المتعلقة بكلفة المشروع ومراحل إنجازه، وتوضيح أسباب التأخير، وتحديد مسؤولية كل متدخل، والإعلان عن موعد واقعي لبدء الاستغلال، إلى جانب إخضاع السوق الحالي للمراقبة الصارمة إلى حين الانتقال إلى المنشأة الجديدة.
كما يتعين توضيح طبيعة نظام التدبير الذي سيُعتمد، وشروط إسناد الصفقات المرتبطة بالتسيير، وآليات مراقبة الوزن والأسعار والمعاملات، بما يضمن الشفافية ويحمي حقوق الفلاحين والتجار والمستهلكين.
فاستمرار الوضع دون أجوبة واضحة يكرس مناخاً من الشك ويضعف الثقة في تدبير المرافق العمومية، بينما يظل الحل في الإفصاح عن الحقائق، ومعالجة الاختلالات المثبتة، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق القانون.
ستة ملايير سنتيم ليست رقماً عابراً، والسوق الجديد ليس مجرد بناية تنتظر فتح أبوابها؛ إنه مرفق اقتصادي يفترض أن يخدم الفلاح والتاجر والمستهلك معاً. والسؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً في الجديدة هو: متى تنتهي مرحلة الانتظار، ومن يتحمل مسؤولية استمرارها؟
تعليقات الزوار