الخضر تحرق جيوب المغاربة.. أين تختفي الأسعار بين سوق الجملة ودكاكين الأحياء؟

هبة زووم – الرباط
لم تعد موجة غلاء الخضر مجرد حديث عابر داخل الأسواق والأحياء، بل تحولت إلى عبء يومي يضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، في وقت تواصل فيه أسعار عدد من الخضر الأساسية ارتفاعها، وعلى رأسها الطماطم والبطاطس والجزر والفلفل، وهي مواد تكاد لا تغيب عن المائدة المغربية.
وتشير المعطيات المتداولة في الأسواق إلى أن سعر الطماطم بلغ حوالي 8 دراهم للكيلوغرام في بعض نقاط البيع بالتقسيط، بينما وصل سعر البطاطس إلى 7 دراهم، في حين ارتفعت أسعار بعض الخضر ذات الطلب المرتفع إلى مستويات أكبر، من بينها الفاصوليا الخضراء التي تناهز 23 درهما للكيلوغرام، والفلفل بـ8 دراهم والخيار بـ6 دراهم.
لكن المفارقة التي تزيد من حدة غضب المستهلك لا تكمن فقط في ارتفاع السعر النهائي، وإنما في الفارق المسجل بين سوق الجملة ونقاط البيع بالتقسيط.
فمعطيات حديثة من الدار البيضاء أظهرت أن الطماطم كانت تباع بالجملة بين 4 و7 دراهم للكيلوغرام، قبل أن تصل إلى 8 دراهم في بعض أسواق القرب. كما تراوح سعر البطاطس بالجملة بين 4.5 و6 دراهم، بينما وصل ثمنها بالتقسيط إلى 8 دراهم للبيضاء و9 دراهم للحمراء. أما البصل، فتراوح بالجملة بين 4 و5 دراهم، مقابل 6 دراهم للمستهلك.
هذه الفوارق لا تعني تلقائيا وجود احتكار أو مضاربة، لكنها تطرح سؤالا مشروعا حول كيفية تشكل السعر بين المنتج والمستهلك، وحول هامش الربح في كل حلقة من حلقات سلسلة التسويق.
والأهم أن هذه الإشكالية ليست جديدة، فقد سبق لمهنيين أن دعوا إلى تكثيف المراقبة، بعدما سجلوا بدورهم وجود تفاوت بين أثمنة بعض الخضر في أسواق الجملة وتلك المعروضة في عدد من محلات وأسواق التقسيط.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال كل ارتفاع في الأسعار في المضاربة وحدها، إذ تشير معطيات مهنية أخرى إلى أن انتهاء بعض الدورات الإنتاجية والتقلبات المناخية يمكن أن يؤثرا في حجم العرض، وبالتالي في الأسعار، خصوصا بالنسبة للطماطم والبطاطس والفلفل.
غير أن المواطن لا يعيش داخل سوق الجملة ولا داخل معادلات العرض والطلب؛ المواطن يواجه السعر النهائي أمام دكان الحي، ويؤدي ثمنه من دخل محدود يتعرض بدوره لضغوط متزايدة.
وهنا تبرز مسؤولية أجهزة المراقبة الاقتصادية والسلطات المختصة في تتبع مسار الأسعار، ليس فقط عند وصول الخضر إلى الأسواق، وإنما عبر مختلف حلقات التوزيع، والتأكد من احترام القواعد المنظمة للمنافسة ومنع الممارسات غير المشروعة، إذا ثبت وجودها.
كما أن الحديث المتكرر عن دور بعض المضاربين وأصحاب مخازن التبريد يحتاج إلى معطيات دقيقة وعمليات مراقبة ميدانية تكشف حجم التخزين، وطبيعة العمليات التجارية، ومدى تأثيرها الفعلي في العرض والأسعار. فالاتهام وحده لا يكفي، كما أن غياب المعطيات الرسمية الدقيقة يترك المجال واسعا للتأويلات.
واللافت أن ملف الخضر يأتي في سياق أوسع من ارتفاع كلفة الغذاء، بعدما سبق أن سجلت أسعار اللحوم والدجاج بدورها مستويات أثارت استياء المستهلكين.
وبينما تتحدث الجهات المهنية عن العرض والطلب والمواسم والإنتاج، يبقى السؤال الذي يهم المواطن أكثر وضوحا: من يراقب المسافة بين السعر الذي يخرج به المنتج من الضيعة والسعر الذي يصل به المنتوج إلى مائدة الأسرة؟
فإذا كان ارتفاع الأسعار مرتبطا فعلا بعوامل إنتاجية ومناخية، فالمطلوب هو شرحها بالأرقام. وإذا كانت هناك اختلالات في حلقات التسويق، فالمطلوب تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. أما استمرار الفوارق الكبيرة دون تفسير واضح، فلا يزيد سوى من فقدان الثقة ومن الإحساس بأن فاتورة الغلاء تنتهي دائما عند المستهلك.
في النهاية، لا يريد المواطن بيانات تبرر الغلاء بقدر ما يريد سوقا واضحا، وأسعارا مفهومة، ومراقبة فعالة، ومنافسة حقيقية، حتى لا يتحول طبق الخضر اليومي إلى اختبار جديد للقدرة على الصمود أمام ارتفاع تكاليف المعيشة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد