هبة زووم – سيدي بنور
في سيدي بنور، كما في مدن أخرى، لم تعد بعض مظاهر السياقة المتهورة مجرد سلوك عابر يمكن التغاضي عنه، بعدما أصبحت في بعض الحالات مصدر قلق حقيقي لمستعملي الطريق، خصوصاً في محيط الأسواق والأحياء الشعبية والمناطق التي تعرف حركة مكثفة للراجلين.
فالسياقة المتهورة قد تتحول في لحظة واحدة إلى حادث خطير، يدفع ثمنه طفل أو مسن أو عامل أو سائق آخر، لا ذنب له سوى أنه صادف مركبة لم يحترم سائقها قواعد السير، أو تعامل مع الطريق وكأنه مجال مفتوح بلا ضوابط.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز الدراجات النارية ثلاثية العجلات، المعروفة لدى المغاربة باسم “التريبورتور”، وهي وسيلة نقل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ليس فقط باعتبارها وسيلة عملية لنقل السلع والبضائع، وإنما أيضاً باعتبارها مصدر رزق لفئات اجتماعية وجدت فيها فرصة للعمل وتأمين دخل يومي في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد صعوبة الولوج إلى سوق الشغل.
ولذلك، فإن الحديث عن “التريبورتور” لا ينبغي أن يتحول إلى موقف ضد هذه الوسيلة أو ضد الأشخاص الذين يعتمدون عليها لكسب قوتهم، بقدر ما يجب أن يركز على ضرورة تنظيم استخدامها وضمان احترام قواعد السير والسلامة العامة.
غير أن بعض المشاهد اليومية تطرح أسئلة جدية حول مدى احترام هذه القواعد، خصوصاً في محيط الأسواق، حيث تتحول حركة الراجلين أحياناً إلى ما يشبه المغامرة اليومية، بسبب الازدحام والضجيج والتوقف في أماكن غير مناسبة، والمرور وسط حشود المواطنين، فضلاً عن استغلال بعض المساحات والممرات المخصصة للراجلين.
والأكثر إثارة للانزعاج أن بعض التصرفات لا تتوقف عند حدود سوء استعمال الطريق، وإنما تمتد أحياناً إلى سلوكيات غير مقبولة في التعامل مع المواطنين، من رفع الأصوات والتلفظ بكلام غير لائق إلى الدخول في مشادات مع الراجلين أو مستعملي الطريق الآخرين.
وهنا يبرز سؤال بسيط لكنه جوهري: هل البحث عن لقمة العيش يبرر التضحية بآداب التعامل واحترام الآخرين؟ الجواب يفترض أن يكون واضحاً: الرزق حق، لكن احترام القانون وحقوق الآخرين واجب.
فمن حق سائق “التريبورتور” أن يعمل، وأن ينقل السلع، وأن يبحث عن زبائنه، وأن يؤمن دخله اليومي، لكن في إطار القانون. وليس من حقه، في المقابل، أن يعرض حياة المواطنين للخطر، أو أن يعرقل حركة السير، أو يحتل الأرصفة المخصصة للراجلين، أو يحول الممرات الضيقة إلى فضاءات خاصة به.
فالطريق العام ليس ملكاً لأصحاب السيارات وحدهم، كما أنه ليس ملكاً للدراجات النارية أو «التريبورتورات». إنه فضاء مشترك، يفترض أن يخضع لقواعد واضحة تسري على الجميع، مهما اختلف نوع المركبة أو الوضع الاجتماعي للسائق.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق بمنع وسيلة نقل يعتمد عليها عدد من المواطنين في كسب قوتهم، وإنما بمدى فعالية المراقبة، وقدرة الجهات المختصة على فرض احترام القانون بشكل منتظم ومتوازن، بما يضمن في الوقت نفسه حق المهنيين في العمل وحق المواطنين في استعمال الطريق والأرصفة بأمان.
فغياب المراقبة، إن ثبت في بعض النقاط أو الفترات، لا يؤدي فقط إلى تشجيع السلوكيات المخالفة، بل قد يجعل احترام القانون يبدو خياراً بدل أن يكون قاعدة ملزمة للجميع.
وتحتاج الأسواق والمناطق ذات الكثافة المرتفعة، على وجه الخصوص، إلى حضور ميداني فعال يضبط حركة المركبات، ويمنع الوقوف العشوائي، ويحمي ممرات الراجلين، ويضع حداً لكل سلوك من شأنه تهديد سلامة المواطنين أو تحويل الفضاء العام إلى مجال للفوضى.
وفي المقابل، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق السائقين وحدهم، بل تشمل أيضاً المواطنين والراجلين وباقي مستعملي الطريق، لأن احترام قواعد السير سلوك جماعي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أصبح ثقافة يومية.
وفي النهاية، لا أحد يعارض أن يبحث الإنسان عن رزقه، ولا أحد يريد التضييق على فئة اختارت «التريبورتور» وسيلة للعمل. لكن لقمة العيش لا ينبغي أن تكون على حساب سلامة الآخرين، والحرية في استعمال الطريق تنتهي حيث تبدأ حقوق الآخرين.
سيدي بنور تحتاج إلى طريق منظم للجميع، ومراقبة تطبق القانون دون انتقائية، وثقافة مرورية تجعل احترام المواطن وسلامته أولوية لا تقبل المساومة.
تعليقات الزوار