هبة زووم – الرباط
أعادت قضية البروفيسور رشيد شرقاب، الذي أشار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري إلى الحكم عليه بسنة حبساً إلى جانب زملاء آخرين، النقاش حول حدود حرية التعبير داخل المؤسسات العمومية، ومدى الحماية التي يتمتع بها الموظفون والمهنيون عندما يثيرون اختلالات يقولون إنها تمس المرفق العام.
وفي تدوينة اتسمت بلهجة نقدية حادة، اعتبر الكنبوري أن القضية تتجاوز الوضع الشخصي للمعنيين بها، لتطرح أسئلة أوسع حول العلاقة بين التبليغ عن الاختلالات والمسؤولية القانونية، وحول ما إذا كانت آليات مواجهة التشهير تترك مجالاً لتقييد كشف ممارسات قد تستدعي التحقيق والمحاسبة.
وربط الباحث القضية بما يصفه بصعوبة مواجهة الفساد داخل بعض المؤسسات، معتبراً أن الموظفين والمستخدمين الذين يشتغلون بالقرب من مواقع الاختلالات هم الأقدر على رصدها، لكنهم قد يترددون في التبليغ عنها خوفاً من المتابعات أو فقدان مواقعهم المهنية، في غياب ما يكفي من ضمانات الحماية.
وبحسب رواية الكنبوري، فإن متابعة رشيد شرقاب ارتبطت باتهامات بالتشهير وانتحال صفة، على خلفية مواقفه من اختلالات قال إنها تعرفها المؤسسة الاستشفائية الجامعية ابن رشد بالدار البيضاء، ومشاركته في وقفة احتجاجية بصفة نقابية.
ويعتبر الباحث أن هذه القضية تثير مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن التمييز بين التشهير الذي قد يمس حقوق الأشخاص وسمعتهم، وبين التعبير عن اختلالات داخل مرفق عمومي يفترض أن يخضع للمراقبة والمساءلة؟
غير أن توصيف الوقائع القانونية يقتضي الرجوع إلى منطوق الحكم وملف القضية ومواقف الأطراف المعنية، إذ لا تكفي التدوينة وحدها للجزم بأن المتابعة استهدفت فضح الفساد، أو بأن الحكم يشكل دليلاً على توظيف القانون لحماية اختلالات مفترضة. فهذه استنتاجات يطرحها الكنبوري، وتظل بحاجة إلى فحص الوقائع والوثائق القضائية ذات الصلة.
وفي المقابل، فإن إثارة هذه الأسئلة مشروعة في النقاش العمومي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات صحية تقدم خدمات أساسية للمواطنين، ويكون أداؤها موضع اهتمام ومراقبة مجتمعية.
ويضع الكنبوري حماية المبلغين عن الفساد في صلب انتقاداته، معتبراً أن غياب الضمانات الكافية قد يدفع الموظفين والمستخدمين إلى الصمت، حتى عندما يطلعون على اختلالات داخل المؤسسات التي يعملون بها.
وتطرح هذه الإشكالية تحدياً حقيقياً أمام الحكامة الجيدة؛ فالموظف الذي يرصد تجاوزاً محتملاً يحتاج إلى مسارات آمنة للإبلاغ، وإلى ضمانات تحميه من الانتقام المهني أو التضييق غير المشروع، كما يحتاج المجتمع إلى آليات تمكنه من التحقق من الشكاوى ومتابعتها دون تحويل الادعاءات إلى أحكام مسبقة.
لكن حماية المبلغين لا تعني إعفاء كل من يعلن عن وجود فساد من المسؤولية القانونية، ولا تعني اعتبار كل اتهام حقيقة ثابتة. المطلوب هو إيجاد توازن واضح بين حماية من يبلغ بحسن نية عن وقائع قابلة للتحقق، وصون حقوق الأشخاص والمؤسسات من الادعاءات الكاذبة أو التشهير غير المشروع.
ومن هنا، فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في الاختيار بين مكافحة التشهير ومحاربة الفساد، بل في كيفية بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تتيح الأمرين معاً: حماية السمعة والحقوق، وضمان عدم استخدام المساطر القانونية لإسكات التبليغ المشروع.
واستحضر الكنبوري الاحتجاجات التي عرفها المغرب بسبب أوضاع المنظومة الصحية، وما رافقها من انتقادات لنقص التجهيزات والموارد، وحالات الإهمال المزعومة، معتبراً أن هذه الأوضاع تجعل قضية شرقاب جزءاً من نقاش اجتماعي أوسع حول جودة الخدمات الصحية والمسؤولية عن الاختلالات.
ويرى الباحث أن الاحتجاجات والمطالب الاجتماعية المرتبطة بالصحة تؤكد أن الأوضاع داخل المؤسسات الاستشفائية ليست شأناً مهنياً داخلياً فقط، بل قضية تهم المواطنين وحقهم في خدمات صحية لائقة، وفي معرفة أسباب الاختلالات التي قد تؤثر على سلامتهم.
ومع ذلك، فإن ربط قضية بعينها بمشكلات القطاع الصحي لا يحسم تلقائياً في صحة الاتهامات الواردة فيها، كما أن وجود احتجاجات أو شكاوى لا يثبت وحده المسؤولية القانونية لأي طرف. فالمساءلة الفعلية تقتضي التحقيق في الوقائع، وتحديد المسؤوليات، ونشر النتائج بالقدر الذي يسمح به القانون.
وانتقد الكنبوري ما يعتبره فجوة بين الخطاب الرسمي بشأن محاربة الفساد وبين الصعوبات التي تواجه كشف الاختلالات داخل بعض المؤسسات، مشيراً إلى وجود مؤسسات وطنية مختصة بالنزاهة والوقاية من الرشوة، وإلى تكرار الدعوات الرسمية إلى تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويضع هذا الانتقاد أمام المؤسسات المعنية سؤال الفعالية: هل تتوفر قنوات التبليغ على شروط الاستقلالية والسرية والنجاعة؟ وهل يجري التعامل مع الشكاوى وفق مساطر واضحة وآجال معقولة؟ وهل يتمتع المبلغون بحماية عملية عندما يكون التبليغ مستنداً إلى معطيات قابلة للتحقق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب تقييم أداء آليات الرقابة والتحقيق، لا الاكتفاء بإطلاق المواقف العامة. كما تقتضي نشر المعطيات المتاحة حول الشكاوى التي تمت معالجتها، والإجراءات المتخذة بشأنها، مع احترام سرية التحقيقات وحقوق الأطراف.
وفي المحصلة، تفتح تدوينة إدريس الكنبوري نقاشاً يتجاوز قضية رشيد شرقاب إلى العلاقة بين حرية التعبير، وحق المجتمع في معرفة ما يجري داخل المرافق العمومية، وضمانات حماية المبلغين عن الاختلالات.
ويبقى الرهان الحقيقي هو بناء منظومة لا يُترك فيها الموظف وحده في مواجهة مخاطر التبليغ، ولا تتحول فيها الاتهامات غير المثبتة إلى أحكام نهائية، بل تُفحص الوقائع بجدية وشفافية، وتُحمى الحقوق، وتُحدد المسؤوليات على أساس الأدلة والقانون.
تعليقات الزوار