حين تصبح الإدارة الترابية بالدريوش جزءا من الأزمة: هل يفتح العامل فريندو ملفات رجاله؟
هبة زووم – محمد أمين
في إقليم الدريوش، لا يبدو أن سؤال الحكامة الترابية يمكن اختزاله في أداء المجالس المنتخبة وحدها، ولا في رفع شعارات محاربة الفساد دون إخضاع مختلف مستويات المسؤولية للمساءلة نفسها، فحين تتعالى الانتقادات بشأن أداء الإدارة الترابية، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قدرة آليات المراقبة على تصحيح الاختلالات، وعن حدود المحاسبة حين يتعلق الأمر برجال السلطة أنفسهم.
وتذهب بعض القراءات المتداولة للشأن المحلي إلى أن جزءاً من مظاهر التعثر التي يعرفها الإقليم يرتبط بما تصفه بضعف الحزم الإداري، وبغياب تفاعل واضح مع الاختلالات المفترضة في أداء بعض المسؤولين، وهي انتقادات، إن كانت تستند إلى وقائع موثقة، فإنها تستدعي التحقق الجدي والتعامل معها وفق القانون، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات الضيقة.
إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يستقيم بمنطق انتقائي، ولا يمكن أن يتحول إلى أداة لمساءلة فئة من المسؤولين، مع إبقاء فئات أخرى بمنأى عن التقييم. فإذا كان العامل فريندو قد جعل محاربة الفساد والاختلالات داخل الجماعات الترابية ضمن رهانات التدبير بالإقليم، فإن المصداقية تقتضي أن تشمل المراقبة كل مسؤول تثبت في حقه مخالفات أو أوجه تقصير، أياً كانت صفته أو موقعه الإداري.
فليس من المنطقي أن تكون المجالس المنتخبة وحدها تحت مجهر المساءلة، بينما يظل أداء الإدارة الترابية بمنأى عن النقاش والتقييم. فالقياد والباشوات، شأنهم شأن باقي المسؤولين العموميين، يخضعون للقانون ولمقتضيات الوظيفة، وتبقى مسؤولياتهم المهنية قابلة للتقييم والمراجعة وفق المساطر المعمول بها.
ولا يتعلق الأمر بإصدار أحكام مسبقة في حق أي مسؤول، أو تعميم الاتهامات على رجال السلطة، بل بترسيخ قاعدة مؤسساتية واضحة: لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يُدان بمجرد الشبهة أو التداول الإعلامي، فالمطلوب هو التحقق من الوقائع، والاستماع إلى الأطراف المعنية، وترتيب المسؤوليات متى ثبتت المخالفات.
في هذا السياق، يجد العامل فريندو نفسه أمام سؤال يتجاوز تدبير الملفات اليومية إلى اختبار مدى اتساق الخطاب مع الممارسة: هل ستشمل دينامية الإصلاح، إن كانت قائمة، مختلف مكونات الإدارة الترابية، أم ستظل محصورة في مراقبة المنتخبين؟
إن قوة السلطة الإدارية لا تقاس بصرامة القرارات الموجهة إلى طرف دون آخر، بل بقدرتها على فرض احترام القانون على الجميع، وبمدى استعدادها لتصحيح الاختلالات داخل الجهاز الذي تشرف عليه، متى كشفت المعطيات عن وجودها.
كما أن حماية هيبة الإدارة لا تعني تحصين المسؤولين من النقد، بل تقتضي تعزيز الثقة في المؤسسات من خلال الشفافية، والتفاعل مع الشكايات، وفتح المجال أمام التقييم الموضوعي للأداء. فالإدارة التي تضع المواطن في صلب اهتماماتها لا تتعامل معه بمنطق الاستعلاء، ولا تجعل النفوذ الإداري غاية في حد ذاته، وإنما تعتبر السلطة تكليفاً لخدمة الصالح العام.
إن الرهان الحقيقي بالإقليم لا يكمن في تبادل الاتهامات، ولا في إطلاق أحكام عامة بشأن رجال السلطة أو المنتخبين، بل في وضع آليات واضحة لتقييم الأداء، والتعامل مع الشكايات وفق القانون، والكشف عن نتائج المساءلة متى سمحت المقتضيات القانونية بذلك.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على العامل فريندو ليس ما إذا كان سيشدد الرقابة على هذا الطرف أو ذاك، بل ما إذا كان سيضمن تطبيق المعايير نفسها على الجميع، دون انتقائية أو تمييز، مع احترام قرينة البراءة وضمان حقوق المعنيين.
فهل تتحول انتظارات الساكنة بإقليم الدريوش إلى مراجعة فعلية لأساليب التدبير، تشمل الإدارة الترابية والمجالس المنتخبة معاً؟ وهل تكون المحاسبة قاعدة مؤسساتية ثابتة، أم تظل شعاراً يستحضر عند الحاجة ويغيب عندما تقتضي الضرورة مساءلة مسؤولين من داخل الإدارة نفسها؟
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة عملية، لأن الحكامة الجيدة لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بقرارات قابلة للتقييم، وإدارة تنصت للمواطنين، ومحاسبة لا تتغير معاييرها بتغير مواقع المسؤولين.