تقوية الجبهة الداخلية أم ترميم الثقة المفقودة؟ اليحياوي يربط قوة الوطن بكرامة مواطنيه

هبة زووم – الرباط
في تدوينة تحمل أكثر من رسالة سياسية واجتماعية، اختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي مساءلة أحد الشعارات المتداولة في الخطاب العمومي، والمتعلق بـ«تقوية الجبهة الداخلية»، واضعاً المفهوم أمام أسئلة تتجاوز دلالته الأمنية والوطنية المباشرة، لتلامس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، وحدود التضامن الوطني في ظل استمرار مظاهر الإقصاء والتهميش والتفاوت الاجتماعي.
اليحياوي لم يتعامل مع هذا الشعار باعتباره عبارة جاهزة لا تقبل النقاش، بل انطلق من مساءلة معناه: هل يتعلق الأمر بالاستعداد للدفاع عن البلاد في مواجهة التهديدات الخارجية؟ أم بتوحيد الرأي العام خلف موقف واحد، لا يسمح بالاختلاف إلا في أساليب التعبير؟ أم أن تقوية الجبهة الداخلية تعني، في المقام الأول، ضمان التعدد والتدافع بين الآراء حتى تتبلور المواقف الأكثر صواباً؟
ومن خلال هذه الأسئلة، يرفض الباحث اختزال الوحدة الوطنية في التطابق مع رأي واحد، أو تحويل الاختلاف إلى مصدر للريبة، معتبراً أن قوة الجبهة الداخلية، إذا كان لهذا المفهوم معنى حقيقي، لا يمكن فصلها عن قوة المواطنين الذين يفترض أنهم يشكلون قوامها وحاملها الأساسي.
وتتمثل النقطة الأكثر دلالة في تدوينة اليحياوي في ربطه بين قدرة المواطن على الإسهام في الدفاع عن الوطن وبين إحساسه الفعلي بالانتماء والإنصاف، فكيف يمكن مطالبة شخص بالتضحية من أجل وطن يشعر داخله بأنه مهمش أو مقصى أو يعامل باعتباره مواطناً من درجة ثانية أو ثالثة؟
ويطرح الباحث هنا سؤالاً جوهرياً بشأن الفجوة بين الخطاب الوطني والواقع المعيش؛ إذ لا يكفي، في نظره، أن يُطلب من المواطن الاستعداد للدفاع عن البلاد، بينما لا يجد تجسيداً ملموساً للمواطنة في الخدمات الأساسية، من صحة وسكن وتعليم وشروط عيش تحفظ كرامته وتضمن مستقبل أبنائه.
فالوطن، وفق هذا المنظور، ليس مجرد حدود جغرافية أو شعارات تعبئة في لحظات التوتر، بل هو أيضاً مؤسسات وخدمات وحقوق وفرص متكافئة، وإحساس يومي بأن المواطن شريك في الثروة والقرار، وليس مجرد طرف مطالب بالواجبات دون أن ينال نصيبه من الحقوق.
ولم تتوقف مساءلة اليحياوي عند حدود الخدمات الاجتماعية، بل امتدت إلى قضية توزيع الثروة، من خلال تساؤله عن جدوى الدعوة إلى تقوية الجبهة الداخلية في ظل شعور قطاعات من المواطنين بأن ثروات البلاد محتكرة أو مصادرة أو خاضعة لنفوذ فئة محدودة من المحظوظين.
وهي إشارة تضع العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في صلب النقاش حول المناعة الداخلية، لأن الشعور بالانتماء لا يتغذى من الخطاب وحده، بل يتعزز حين يلمس المواطن أن ثروات بلاده ومؤسساتها تخدم الصالح العام، وأن قواعد الاستفادة من الفرص والموارد لا تخضع للامتيازات أو النفوذ.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كونها تنقل النقاش من سؤال مطالبة المواطنين بالاصطفاف والتضحية إلى سؤال ما الذي يجعلهم يشعرون بأنهم معنيون فعلاً بالدفاع عن وطنهم؟ فالجبهة الداخلية لا تُبنى فقط عبر الدعوات إلى الوحدة، وإنما تحتاج أيضاً إلى الثقة والإنصاف والمشاركة واحترام الاختلاف.
بهذا السؤال الختامي المكثف، يختصر اليحياوي جوهر الإشكال الذي تطرحه تدوينته: لا يمكن بناء جبهة داخلية متماسكة بمجرد تكرار الشعارات، في غياب شروط المواطنة الكاملة، ولا يمكن مطالبة الجميع بتحمل كلفة الدفاع عن الوطن بينما يشعر بعضهم بأنهم خارج دائرة الاستفادة من خيراته وفرصه.
ولا تعني هذه المقاربة التقليل من أهمية التضامن الوطني أو الاستعداد لمواجهة التحديات، بقدر ما تثير الانتباه إلى أن الوحدة المستدامة لا تُفرض بإسكات الاختلاف، وإنما تُبنى عبر الثقة المتبادلة والعدالة الاجتماعية وضمان الحقوق.
إن رسالة تدوينة اليحياوي، في عمقها، هي أن تقوية الجبهة الداخلية تبدأ من تقوية المواطن نفسه، ومنحه أسباباً واقعية للشعور بالانتماء والاعتزاز بوطنه. فالمواطن الذي يجد كرامته مصونة وحقوقه مضمونة ومكانته محفوظة، يكون أكثر استعداداً للدفاع عن وطن يعتبره وطنه بالفعل، لا مجرد شعار يُطلب منه ترديده عند الحاجة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد