حين صارت المبادئ الأربعة في النظام التعليمي مشكلا داخل مشكل
ختمنا الحلقة السابقة بأن تعليم سلطات الاحتلال الفرنسي للمغرب قد خلق تياران متناقضان في بنيات المجتمع المغربي: تيار النمط الغربي وتيار النمط التقليدي الإسلامي، لم يفتحا حوارا جادا بعد الاستقلال، بل اختارا السكوت عن ذلك في كافة مناحي الحياة، وفضلا عنصر الغموض في العلاقة الرابطة بينهما في إطار “الكفاح الوطني”.
إلى جانب هذا الأصل تكون حلف يجمع مكونات ثلاث:1) البورجوازية الوطنية التي هي بمثابة الوسيط لدى المحتل.
2)الأرستقراطية الدينية والعلمية والسياسية المتمسكة بالفكر الوطني التقليدي.
3) جماهير الشعب الكادح وأطره المناضلة.
وهذه الفئات جميعها ستساهم في بناء أي تغيير قد يحدث في السياسة التعليمية عقب حصول المغرب على الاستقلال رسميا سنة (1956).
وتبقى “النخبة” المستفيد الأول من هذا الأمر، لكنها ستحاول جاهدة فسح المجال أمام الأطراف الأخرى تبعا لمبدإ التراضي الذي يصلح بشكل “توفيقي” للجميع وقتئذ.
من هنا برزت فكرة المبادئ الأربعة لتعليم المغرب المستقل والمحددة في: – التعميم – التوحيد – التعريب ومغربة الأطر.
هذه المبادئ التي اعتبرت وليدة الضغط الشعبي مع مراعاة مصالح مختلف الطبقات المجتمعية وعلى رأسهم “النخبة”.
ففي عهد الاحتلال، شهد التعليم “كبتا” شعبيا إراديا على شكل نفور عام من المدارس التي شاع لدى الرأي العام أنها “بلا فائدة” أو “لا تخرج غير المتمردين على الموروث” و”المتعاونين مع سلطات الحماية” و”الضائعين”.
.
.
وبعد الاستقلال مباشرة، انفجر هذا “الكبت”، فحاصر الآباء والأمهات المدارس المتوفرة في ذلك الوقت كل بداية سنة دراسية بغية استفادة أبنائهم من تعليم يضمن لهم “مكانة اجتماعية كحال النخبة”، وهو ما صار تحديا كبيرا أمام المتحكمين في زمام الأمور.
إذ ليس مجرد الإعلان عن الاستقلال سيوفر “الخبز للجائع” و”التعليم لكل طفل”.
“النخبة” الحاكمة ذات اليد الطولى تعرضت بالتالي لضغط جماهيري كبير فارتأت حله بشكل توافقي يرضي جميع الأطراف من ناحيتين:
أولا: الناحية العملية.
تم اللجوء إلى توظيف كل من يحسن القراءة والكتابة باللغتين العربية أو الفرنسية ك”معلم”، وحاول القائمون معها قبول ما أمكن من التلاميذ كحلين جاهزين بشكل سطحي.
ثانيا: الناحية النظرية.
تشكلت “اللجنة الملكية لإصلاح التعليم”، عقدت أول اجتماع لها يوم: 28/9/1957، واحتوت جل الفئات المتصارعة في الحلف المذكور آنفا.
لتخرج بعدها بحلول أربعة “ترضي” جميع الأطراف بشكل “توفيقي”، لكنها لم تطرح المشكل في جوهره، ليبقى مشكل التعليم قائما لحدود اليوم.
(يتبع.
.
)